زيارة الأربعين… حين تكون الوسيلة أعظم من الطريق
في كل عام، تتحوّل الطرق المؤدية إلى كربلاء إلى أنهارٍ بشرية لا تعرف حدودًا للعرق أو اللغة أو الوطن. ملايين الرجال والنساء، الشيوخ والشباب، بل وحتى الأطفال، يقطعون مئات الكيلومترات طوعًا، متحملين مشقة السفر وحرارة الطريق، لا تدفعهم قوة مادية ولا مصلحة دنيوية. وأمام هذا المشهد الفريد، يقف العقل متسائلًا:
هل زيارة الأربعين غاية بحد ذاتها، أم أنّها وسيلة إلى غاية أكبر؟
وإن كانت وسيلة، فما الذي يجعل ملايين البشر يكررونها عامًا بعد عام دون كلل أو ملل؟
إنّ الوعي هو مفتاح الإجابة. فالقرآن الكريم لم يجعل العبادات غايات مستقلة، وإنّما وسائل لتزكية الإنسان وصناعة شخصيته. فالصلاة ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ ، والصيام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، والحج ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ . وكذلك زيارة الإمام الحسين
، فهي ليست رحلةً إلى مكانٍ مقدّس فحسب، وإنّما رحلةٌ لإحياء الضمير، وتجديد العهد مع المبادئ التي ضحّى الإمام الحسين
من أجلها.
لقد لخّص الإمام الحسين
فلسفة نهضته بقوله: ”إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر“. فهذه الكلمات لا تخاطب جيلًا بعينه، بل تمتد إلى كل مَنْ يقف اليوم عند ضريحه. فالزائر الحقيقي لا يكتفي بإحياء الذكرى، بل يسأل نفسه:
هل أصبحت جزءًا من مشروع الإصلاح الذي خرج الأمام الحسين
من أجله؟
من هنا، فإنّ الغاية ليست أن تمشي إلى كربلاء، بل أن تمشي بقيم كربلاء في حياتك.
فما قيمة الأقدام إذا لم تتحرك معها القلوب؟
وما قيمة الدموع إذا لم تتحول إلى سلوك وأخلاق وعدالة ورحمة؟
إنّ الإمام جعفر الصادق
يقول: ”كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا“، وكأنّ الإمام يضع معيارًا واضحًا لكل مَنْ ينتسب إلى مدرسة أهل البيت
؛ فالمقياس ليس كثرة الشعائر وحدها، بل أثرها في السلوك. فالزيارة التي لا تجعل صاحبها أكثر صدقًا، وأوفى عهدًا، وأرحم بالناس، وأبعد عن الظلم، ما زالت تنتظر أن تؤتي ثمارها كاملة.
لعل السر في هذه الحشود المليونية ليس في كثرة العدد، وإنّما في وحدة الرسالة. ففي عالمٍ تمزقه المصالح، وتفرقه الانتماءات الضيقة، تجتمع الملايين حول مبدأ واحد هو نصرة الحق. فلا أحد يسأل الآخر عن قوميته أو لغته أو طبقته الاجتماعية، بل الجميع يحمل هوية واحدة عنوانها: ”السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين“.
وهنا يتجلّى الوعي بأبهى صوره؛ فالزائر لا يتلقى الخدمة فحسب، بل يشاهد مدرسةً عملية في الإيثار. آلاف المواكب تتسابق إلى خدمة الغرباء، وتبذل المال والوقت والجهد دون انتظار مقابل. إنها ترجمة حية لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . وهذا المشهد ليس مجرد كرم اجتماعي، بل تربية عملية على أنّ الإنسان يسمو حين يجعل خدمة الآخرين طريقًا إلى الله.
لم تكن واقعة الطف حدثًا عسكريًا فحسب، بل كانت مدرسة للوعي. فقد وقف الإمام الحسين
في يوم عاشوراء يخاطب القوم بقوله: ”إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم“. إنّها دعوة إلى إيقاظ الضمير الإنساني قبل أي انتماء آخر. ومن هنا، فإنّ زيارة الأربعين ليست استذكارًا لمأساة تاريخية، وإنّما استحضارٌ دائم لهذا النداء، حتى يبقى الإنسان حرًا في قراره، نزيهًا في موقفه، ثابتًا أمام الظلم.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحمله كل زائر معه في طريق العودة:
هل عدت من الأربعين أكثر شبهًا بالإمام الحسين
في أخلاقي ومواقفي، أم أنّني عدت كما ذهبت؟
فهذا السؤال هو الفاصل بين من جعل الزيارة محطةً لتغيير الذات، ومن جعلها مجرد عادة موسمية.
إنّ زيارة الأربعين ليست غاية يُكتفى بالوصول إليها، بل وسيلة لصناعة إنسانٍ يحمل رسالة الإمام الحسين
في بيته، وعمله، ومجتمعه. فالطريق إلى كربلاء ينتهي عند الضريح، أمّا الطريق إلى الله فيبدأ من هناك. وكل خطوة يخطوها الزائر ينبغي أن تقابلها خطوة في إصلاح نفسه، وإحياء ضميره، ونصرة الحق، وخدمة الناس.
وهكذا، فإنّ سرّ بقاء هذه الملايين عامًا بعد عام لا يكمن في تكرار المسير، وإنّما في أنّ كربلاء لا تزال تُنجب في كل أربعين قلوبًا تتجدد، وضمائر تستيقظ، وأرواحًا تعاهد الله أن تبقى مع الحق حيث كان. فإذا تحوّلت الزيارة إلى وعي، وتحوّل الوعي إلى عمل، أدركنا أنّ زيارة الأربعين لم تكن يومًا غاية في ذاتها، بل كانت أعظم طريقٍ إلى صناعة الإنسان الذي أراده الإمام الحسين
؛ إنسانًا حرًا، واعيًا، وعادلًا، لا يساوم على الحق مهما تغيّرت الأزمنة وتبدلت الظروف.













