كن أذكى من بعض المغالطات
متى آخر مرة قرأت مقالًا أو شاهدت مقطع فيديو تأليبيًا مبطنًا أو مُشاهرًا بالتحريض ضد قوميتك أو دينك أو مذهبك أو وطنك أو أبناء جلدتك؟! وبعد حين تقرأ أو تشاهد أو تسمع ذات الكاتب أو القناة أو الخطيب وهو يقول كلامًا مناقضًا، مع وجود فرق زمني بسيط أو متوسط!! في كثير من بقع العالم، نتيجة التوترات الجيوسياسية والمناطقية والاجتماعية والعرقية، وبسبب انحراف الموازين العقلية الرصينة، أضحى عالم الاستقطابات يوظف الكراهية بلا هوادة، ويتفنن في التحريض ضدك وضدي وضد كل عاقل رصين ومسالم هادئ. مع شديد الأسف، هناك بعض الكُتّاب يوظفون أقلامهم ليس لنشر المعرفة وإجلاء الحقائق وتبيان فصل الخطاب، بل يوظفون أقلامهم وأفكارهم وكلامهم لكيل الشتائم، والتحريض على الاعتداء، والتشجيع على مس نواميس الاستقرار، والدعوة إلى انتهاك الحرمات، وكيل السباب والشتائم بين أطياف الفِرَق لمجرد اختلاف في وجهات نظر، أو اختلاف في تفسير موقف، أو تباين في تحليل أبعاد قرار معين، أو اختلاف في سردية تاريخية.
الكُتّاب لبعض المقالات استخفُّوا، وما زالوا يستسخفون، بعقول القراء والمشاهدين والمستمعين عمدًا تارة، وتارة بخلط الأمور الشخصية بالأمور السياسية، وتارة بخلط حقيقة الدين بقناعاتهم الشخصية، وتارة بنسبة أعمال مدّعي التدين إلى الدين ذاته، وتارة بخلط حالة المتحدث أو الكاتب النفسية الشخصية بالأجواء العامة، سواء من تشنج أو احتقان! والعاقل الرصين يجيد التمييز بين المغالطات المنطقية لمثل أولئك الناس.
قبل عدة عقود كنت أشاهد برامج تلفزيونية تبثها قناة تلفزيونية غربية، ويحمل البرنامج عنوان ”Crossfire“. فكرة البرنامج هي أقرب إلى فكرة ردّ الشبهات التي تُثار حول طرح أو فكرة أو برنامج انتخابي معين، وتقوم السجالات بين المؤيد والمعارض تباعًا على اختبار مدى تماسك سردية طرف مقابل طرف آخر، لإقناع الجمهور بالسردية الأقوى تماسكًا والأقرب للعقل والمنطق الرصين. وعادة تنتهي المناقشة بفشل صاحب الصوت المرتفع أو أصحابه والضجيج الكثير؛ لأن حجتهم ضعيفة، وادعاءاتهم لا تستقيم مع الواقع، وكيدهم يرجع إلى نحورهم.
كذلك المقالات الموضوعية واللقاءات الفكرية الناهضة، بشكل عام، تتجرد من الآفاق الضيقة، وتتجاوز الميول العاطفية والانحدار التفضيلي العاطفي الانحيازي، وتتجاوز شخصنة الحوار، وتُفصح عن نمط تفكير ومنطق وقوالب ومفردات وسردية كاتب المقال أو المتحدث. حيث إن الكاتب الناضج، والخطيب الراقي، والمتحدث النبيل، هدفه هو طلب الإصلاح في مجتمعه، وتجاوز الأزمات، وتفادي الاحتقانات، وأداء الأمانة، وطرح حزمة حلول معقولة. والإنسان الراقي بطبعه يبتعد عن سفاسف الأمور، سواء القذف أو الشتم أو السباب أو الاتهامات المبتذلة أو اللغة الهابطة أو الكيد أو الإمعان في التشفي. نعم، أتفهم كما يتفهم الآخرون بأن هناك مقالات وخطابات متعددة التوجه والأهداف، معدة لشحذ الهمة وتحفيز الناس للعمل وتأكيد حقائق، ومنها ما هو خطاب أو مقال عقائدي، ومنها ما هو خطاب وطني أو قومي. ولكن السردية العقلية الناهضة هي التي ستصمد مهما أهيل عليها من تراب، أو أثيرت الغبرة حولها، أو تعالت أصوات الضوضاء المفتعلة، أو تكاثر الزعيق المتكرر لحجبها، أو اندس المتآمرون لتشويهها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، الإنسان المسلم المسالم يشهد بوحدانية الله ونبوة محمد ﷺ، وبعدل الله جل جلاله، وبجمع الناس يوم المحشر. وإن هناك من سكان نفس البيت الإسلامي لديهم قناعات مختلفة في أمور متعددة. فعلى سبيل المثال، هناك من يرى ويؤمن بأنه سيرى الله يوم القيامة كما يرى القمر بدرًا في أيام الدنيا، وهناك من لا يقبل تلك الفكرة بتاتًا؛ لكون الله جل جلاله ليس كمثله شيء وليس بجسد. وهناك من يرى من المسلمين أن إمامة الإمام علي بن أبي طالب أتت بنص من الله جل جلاله، لثبوت الأمر لديه بالدليل؛ وهناك من يرى أن الإمامة تكون بالشورى. ولكن هذا أو ذاك الفهم، واختلاف الفهم لبعض النصوص القرآنية ومجريات بعض الأحداث التاريخية، لا يعني أن يُعطى أي منهما الحق في توزيع صكوك «الغفران» ودخول الجنة على أتباع فهمه، وقذف أعراض الآخرين، وتكفيرهم، والتحريض على قتلهم، وسلب أموالهم. فالقرآن الكريم صدع بأن الأعمال والأفعال هي التي تمحص الإنسان الصالح من الإنسان الطالح، والله جل جلاله هو الذي يحكم بذلك. مؤسف أن نرى ونقرأ أو نسمع أن إنسانًا يتشنج في وصف من كان يومًا من الأيام معهم في ذات التوجهات، ويشاركونه أرض الوطن والمصير المشترك، ويعيشون ذات الخندق، فأصبح ضدهم، ويسعى في التحريض حد التأليب عليهم وعلى أطفالهم وممتلكاتهم وحقوقهم!! من حق أي إنسان أن يراجع نفسه في أفكاره، ويغير قناعاته، وينقد أفكارًا ما بصورة موضوعية عقلانية. فقد سمعنا وقرأنا عن أشخاص، وعبر التاريخ، من بدل دينه بعد اقتناعه بالدين الجديد، ومنهم من هاجر مجتمعه إلى مجتمع آخر، ومنهم من بدل نمط حياته بنمط آخر مختلف كليًا. فهذا الإنسان، في مثل تلك الحالة، يُترك وشأنه الخاص، طالما لم يعتدِ أو يحرض ضد حقوق الآخرين؛ ولكن أن ينصب نفسه، بعد اختلافه مع الآخرين، على أنه معيار للحق وميزان للعدل، فهذا أمر يحتاج إلى توقف وتدارس ومراجعة وإقالة.
الإنسان يسمو أو ينحدر فكريًا طبقًا لقراءاته وفهمه وفلسفته ومنهجه واهتماماته في شؤون التعامل مع الآخرين، والتعاطي في المال والعلاقات، وتحكيم العقل، وطرق حب إرواء الشهوات، ومتنفسات التفتيش عن القوة والشهرة، وأمور أخرى نفسانية ومادية. البعض ينمي ملكاته العقلية المنطقية، والبعض الآخر ينمي احتياجاته الحيوانية ومصالحه الشخصية. ومن أطياف تغذية كلا التوجهين، تنتج تيارات متفرعة، ومنها من هم أشخاص غير موضوعيين، ولا يقبلون التعايش مع الآخر، حتى لو كان من أبناء دينهم، أو من أبناء وطنهم، أو أبناء قوميتهم.
عندما أسمع أو أقرأ أو أشاهد أي خطاب تحريضي، أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقول بصوت العقل: كان الأولى بذلك الإنسان، لو كان منصفًا وطالب حق، أن يركز على المشتركات، ويعالج الفروقات، ويتفادى الصدامات؛ إلا أنه وجدت أن البعض انتقائي في نقده حد التنمر، لعلمه المُسبق بأنه يستقوي على أناس عُزل وبسطاء، وليس لهم أي مطامع دنيوية.
من المعلوم بالضرورة أن الإنسان سيُجازى بأعماله يوم الآخرة، سواء الإحسان بالجنة والغفران، أو الإساءة بالنار والخسران؛ ولا يمكن بأي حال من الأحوال إعطاء أي شخص، مهما علا شأنه، أي نوع من الحصانة لمجرد انتسابه إلى دين أو مذهب أو طيف أو قبيلة أو لون أو قومية أو اعتقاد أو دولة. أحيانًا أُصاب بالإحباط عند قراءة أو سماع أو مشاهدة نقد موضوعي لفكرة معينة؛ لرؤية حجم السباب والزعيق والشتائم من قبل البعض، وكم كنت أتمنى أن يراجع بإنصاف هكذا متحدث أو كاتب بذيء. نشيد بكل كاتب ومتحدث ومدير حوار ومغرد وبلوجر أن يساهم في الارتقاء بالمحتوى الذي يطرحه، والمعالجات التي يقترحها، ليجعل الأجواء الرقمية والواقعية أكثر صحية وإنسانية.














