آخر تحديث: 3 / 8 / 2026م - 11:04 م

الاستثمار في الأبناء وصناعة الكفاءات

المهندس أمير الصالح *

لقد سهّل الله وأمدَّ العمر والصحة والمال لوالديك، فأعانا كلَّ فردٍ من أفراد أسرتك بالعاطفة والرعاية والاهتمام والحب والمال والوقت والنصيحة والإرشاد والحماية، حتى بلغ كلُّ فردٍ من أفراد أسرتك مرحلة اختيار مجال تخصصه العلمي الأكاديمي أو المهني، سعيًا لاستهداف المهنة المستقبلية التي كان يحلم بها. وكان معظم أولياء الأمور، بحمد الله، أوفياء وأدواتَ إعانةٍ للبناء، سخّرها الله جل جلاله لأفراد الأسرة في تحقيق رغبة كلٍّ منهم بالدراسة بالمكان «الجامعة» التي يدرس فيها «داخل/ خارج المملكة»، والزواج، والنجاح، والعمل، وامتلاك مأوى، واستقرار الحياة.

فالحمد لله، البعض من الآباء الأوفياء أنجزوا المهمة بالتمام والكمال، والبعض حققوا جزءًا منها وما زالوا مستمرين في تحقيقه لبقية أفراد أسرتهم؛ والبعض من حديثي الأبوة، من ذات صنف الآباء الأوفياء، يخططون لتحقيق جزء من الحلم عبر تأهيل أبنائهم بين طبيبٍ وفيٍّ، أو مهندسٍ صادقٍ، أو مدرسٍ قديرٍ، أو تاجرٍ أمينٍ. ومثل أولئك الأبناء الناجحين والساعين إلى النجاح هم محل مفخرة واعتزاز لوالديهم ولأجدادهم، وحتمًا لبقية أفراد عوائلهم، وأبناء مناطقهم وبلدانهم، وأبناء قوميتهم، وحتى أبناء ملتهم.

الواقع والحلم

ولكون ضغوط الحياة المتعددة في شتى شؤون المعاملات في صعود، والتضخم المالي في الأسعار في تزايد، وتقلبات دورات الزمان صعودًا وهبوطًا في تذبذب مستمر، حتى أضحت كثير من المسلمات غير مؤكدة، وبلغ أن معظم البرامج المدعومة من قبل بعض الشركات العالمية تتقلص بشكل مستمر أو تخضع لفلترة دائمة، وإدراج اشتراطات بالغة الصعوبة للحظوة بالأكثر كفاءةً.

وفي ذات الوقت، أعمار الآباء والأمهات الكادحين المضحين في كبر وشيخوخة، والصحة لهم في أفول وترهل، وجب أن نحيط الشباب والفتيات علمًا بأن حقائق بعض الأمور في غروب، وكل ساعة يمضونها من أعمارهم، وكل يوم يذهب من أيامهم، وكل دولار يُصرف أو سيُصرف عليهم هو من حصيلة أعمار والديهم الفائتة، حيث كانت أموال مدخراتهم ادّخروها عبر سنين شبابهم، وحرموا منها أنفسهم تحوطًا لأي ظروف زمانية مفاجئة أو طارئة.

وكان، وما زال، هدف أرباب الأسر الأوفياء تثبيت أقدام أبنائهم وبناتهم على الطريق القويم؛ تارةً عبر التحصيل العلمي الأكاديمي بالدراسة، وتارةً عبر صقل مهارات أفراد أسرتهم في حقول تخصصاتهم العلمية الأكاديمية، وتارةً عبر السعي الحريص لتعجيل استحصال الأبناء مصادر الرزق الحلال؛ لحفظ كرامتهم وصون ماء وجوههم من السؤال والابتعاد عن مدِّ يد الحاجة إلى الآخرين.

إن أي تهاون، أو استخفاف، أو لامبالاة، أو تلبك، أو تردد، أو تسويف، أو إهمال، أو تسكع، أو مماطلة، أو عدم تركيز، أو كثرة تشتت أثناء التحصيل العلمي الواعي ودروس الحياة، أو النفور من إحراز الدراسة المتميزة، قد ولد ويولد وسيولد خسارة باهظة للشخص نفسه، وبالتالي لوالديه وللجميع، في الوقت والمال والفرص والصحة واستنزاف الثروة.

وإن ضمور الطموح لأيٍّ من الأبناء، كطلاب اليوم والآباء في المستقبل، ولد ويولد وسيولد إعاقة وتأخيرًا لمسيرة الشخص ذاته، والأسرة، وذريته على مدى أجيال.

إحاطة

إن الأخبار في العالم من حولنا، وفي بقاعٍ كثيرة حول العالم، وكما يرى أي إنسان راشد وعاقل، متصفحٍ في أنباء الدنيا وحوادثها وأحوال مجتمعاتها، تُظهر حجم ما تعج به الدنيا من صراعات على الموارد والفرص ولقمة العيش والوظائف.

فقطار الخريجين الجامعيين والمهنيين المحترفين في تزايد من حيث العدد والإمكانات، وحدّة المنافسة على الوظائف المحترمة «White Collar Jobs» ما زالت في أشدها؛ وعليه لا بد أن يخطط مبكرًا كل شاب، وكل فتاة، لحجز مقعده، سواء بالابتعاث، أو بالالتحاق بشركة أو وزارة، أو اقتناص الفرص لاستحصال شهادات مهنية متميزة، أو الابتعاث عبر برامج المنح الدراسية الدولية، أو طلب الرزق بالتجارة المتميزة.

وكذلك على الشباب والفتيات حسن استغلال المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية لبعض الجامعات والوزارات التي تطلق برامج التدريب المجانية عن بُعد.

مطارق وهمم

بين مطرقة واقع الاقتصاد العالمي الضاغط وسندان تلبية الاحتياجات المتزايدة لكل إنسان، أضحت الدنيا تأكل مدخرات كل شخص ادخر، لا سيما الآباء والأمهات الأوفياء، وترمي كل شخص، وكل أسرة، أهمل، وتحرق أحلام كل كسول، وتدوس على إرادة كل مُسوِّفٍ متردد.

فالأمور، كما يراها البعض، ذاهبة إلى مرحلة اللاهوادة، حتى تطلب من بعض المجتمعات أن يعمل أفرادها إلى ما بعد سن الخامسة والستين قبل أن يفكروا في التقاعد.

وعليه، ننصح ونحيط الشباب والفتيات علمًا بأنه يجب التركيز على المستقبل، مع حسن التخطيط، والتفعيل، وتنمية المهارات، واكتساب المعارف النافعة التي تصون الكرامة، وتنمي الدخل المالي، وتحفظ الكرامة.

فلقد بلغ سن التقاعد النظامي في بعض الأمم الصناعية المتطورة إلى سن السابعة والستين سنة.

أعزائي الطلاب والطالبات

أرجو منكم عدم استنزاف أوقاتكم في الإنترنت، والأفلام، والألعاب الإلكترونية، وعدم استنزاف أموالكم وأموال والديكم في البهرجة، والرياء، والسينما، والتسكع في المولات، وعدم استنزاف أوقاتكم مع الشِّلل المنحلّة، وعدم استنزاف طاقاتكم فيما لا يقربكم من تحقيق شهادتكم العلمية الأكاديمية بتميز، وبلوغ كرامتكم المعنوية وكرامتكم المالية بشموخ.

واسعوا إلى استحصال رزقكم الحلال في سوق العمل الشرس، بأقرب فرصة، حيثما كنتم.

ترون وتسمعون

الإنسان الكندي الأبيض والبريطاني الأبيض يبكيان في عقر دارهما ألمًا وحسرةً من شدة وضراوة منافسة الإنسان الهندي والصيني الكفء. نعم، هذا واقع شاهدته بأمِّ عيني، ولك الحق في أن تتحقق منه.

في اقتصاد العالم الرقمي الرأسمالي المعاصر، واتفاقيات التجارة الدولية، وقوانين الاستثمار الأجنبي، أضحت الكفاءات أهم من أي شيء آخر؛ لأن أتمتة العمليات أفقدت ما يسمى بالولاء بريقه.

ففي بعض الشركات غير المتطورة صناعيًا، ما زال الشعار: «الولاءات أهم من الكفاءات».

وكما ترون وتسمعون في منصات أخبار القنوات الإخبارية العالمية، فإن معظم الدول في العالم، ومنها دول عربية، وقعت اتفاقيات دولية تتيح للمستثمر الأجنبي من أي مكان أن يستثمر في تلك البلدان المفتوحة للمستثمرين الأجانب، ويوظف كيف يشاء ومن يحب، وينهي خدمات ويوقف توظيف من يشاء، متى شاء، دون أي محاسبة أو اعتبار.

وعليه، لا يُعوِّل أي شخص على مسمى جنسيته بوصفه حمايةً له في سوق العمل المحلي حيثما يعيش، بل لا بد أن يعززها بقوة إتقانه لعلومه المهنية، وبكفاءته الأكاديمية، وتميز مهاراته، وحكمة خياراته، وقوة ثقته بنفسه، وممارسة الحكمة في أقواله وأفعاله.

فيا شباب المستقبل، ويا فتيات المستقبل، لقد وفق الله والديكم بإدخالكم في مدارس متميزة، وإدراجكم في عدة دورات علمية لتقوية تحصيلكم المعرفي، وتحسين درجاتكم الأكاديمية؛ لزيادة فرص ترشيحكم عند التقديم للجامعات، أو الترشيح على الابتعاثات والمنح الدراسية.

وأنتم مدعوون اليوم من القلب للتميز في دراستكم وأخلاقكم أولًا، وحسن سلوككم، وتحسين ذكائكم العاطفي ثانيًا، وتوسيع شبكة معارفكم في محيطكم، لا سيما التعرف إلى أهل الجود والخير.

وكذلك أنتم مدعوون إلى الابتعاد عن أهل الرياء والنفاق، ونبذ أهل الأفكار السامة، والأقوال المحبطة، والتنصل من أصدقاء السوء، والابتعاد عن مواقع الرذيلة الرقمية والواقعية.

وفالكم الخير، والتوفيق، والنجاح مع مطلع العام الدراسي القادم، بإذن الله.