آخر تحديث: 3 / 8 / 2026م - 3:58 م

قراءة نقدية في مجموعة «وصال وستائر لا يبللها ماء»

للكاتب السعودي أ. حسن علي البطران

دينا عصام أحمد *

منذ اللحظة الأولى التي يقع فيها بصري على عنوان المجموعة القصصية ”وصال وستائر لا يبللها ماء“ للكاتب السعودي أ. حسن علي البطران، توقفت أمام العنوان كثيرًا. فهو ليس عنوانًا عابرًا، بل يحمل أكثر من معنى، ويدفع القارئ إلى التفكير قبل أن يبدأ القراءة.

فالوصال في رأيي هو رغبة الإنسان في الوصول إلى ما يتمناه، سواء كان حبًا، أو حلمًا، أو شعورًا يختبئ داخل النفس. أما الستائر التي لا يبللها ماء فقد قرأتها على أنها رمز للحواجز التي تمنع الإنسان من الوصول إلى ما يريد؛ قد تكون قيودًا اجتماعية، أو خوفًا، أو ترددًا، أو ظروفًا يفرضها الواقع. وربما يقرأها غيري بشكل مختلف، وهذا ما يمنح العنوان جماله، فهو يفتح باب التأويل ولا يفرض معنى واحدًا.

كانت هذه أول مرة أقرأ فيها مجموعة تعتمد بالكامل على القصة القصيرة جدًا، وهو فن أدبي يختلف تمامًا عن الرواية أو حتى القصة القصيرة التقليدية. فأنا بطبيعتي أميل إلى الروايات، وأحب أن أعيش مع الشخصيات، وأتابع تطورها، وأنتظر الأحداث صفحة بعد أخرى. لذلك دخلت هذه التجربة وأنا أتساءل: هل يمكن لعدة أسطر فقط أن تترك الأثر نفسه؟

مع القراءة، أدركت أن القصة القصيرة جدًا لها فلسفتها الخاصة. فهي لا تحكي كل شيء، بل تمنح القارئ جزءًا من المشهد، ثم تترك له مساحة ليكمل الباقي بخياله. شعرت أنها تشبه لقطة فوتوغرافية؛ تلتقط لحظة واحدة، لكنها تفتح عشرات الاحتمالات حول ما قبلها وما بعدها.

وقد نجح الكاتب أ. حسن علي البطران في كثير من نصوص المجموعة في التقاط لحظات إنسانية عميقة، وكشف مشاعر يعيشها الإنسان في صمت، مستخدمًا لغة مكثفة ونهايات تترك أثرًا في ذهن القارئ. وهذا من أبرز نقاط قوة المجموعة، لأنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك مساحة للتفكير والتأويل.

لكن في المقابل، وجدت أن بعض النصوص اعتمدت على المباشرة أكثر من اعتمادها على الرمز، كما أن بعض التعابير الجريئة قد يراها البعض جزءًا من حرية الكاتب في التعبير، بينما قد يتحفظ عليها آخرون، خاصة إذا كانوا يفضلون أن تصل الفكرة بالإيحاء لا بالتصريح. وهي نقطة لا تقلل من قيمة التجربة، لكنها تبقى محل اختلاف بين القراء.

كما أن طبيعة هذا الفن قد لا تناسب كل الأذواق. فهناك من يعشق القصة القصيرة جدًا لأنها تعتمد على التكثيف والمفاجأة، وهناك من يفضل الرواية لأنها تمنحه وقتًا أطول للتعايش مع الشخصيات والأحداث. وأنا شخصيًا ما زلت أميل إلى الرواية، لكن هذه المجموعة جعلتني أقترب أكثر من هذا الفن، وأفهم أن قوته ليست في عدد كلماته، بل في قدرته على أن يجعل القارئ شريكًا في صناعة المعنى.

وأرى أيضًا أن موضوعات المجموعة، بما تحمله من أبعاد نفسية ورمزية، تجعلها أقرب إلى القارئ البالغ، لأنها تحتاج إلى التأمل وإعادة القراءة أكثر من مرة، ولا أظن أنها موجهة إلى الأطفال أو القراء صغار السن.

سياقات نصية وتطبيقات نقدية من داخل المجموعة

1. قصة ”خزانة“

تعد قصة ”خزانة“ من النصوص التي توقفت أمامها طويلًا، لأنها تعتمد على المفارقة أكثر من اعتمادها على الحدث. في البداية يهيئ الكاتب القارئ لأن الخزانة مليئة بالذهب أو المال، خاصة بعد وصفها بأنها كبيرة وثقيلة، لكن عندما تُفتح لا يجد القارئ سوى ورقة صفراء كتب عليها:

”حافظت طوال حياتي على شرفي، فاحفظي شرفك بعد رحيلي.“

هنا تتحول الخزانة من وعاء مادي إلى خزانة للقيم. فالكاتب لا يتحدث عن الثروة بوصفها أموالًا، وإنما يجعل الشرف هو الإرث الحقيقي الذي يورث للأبناء. ثم تأتي النهاية حين تتذكر البطلة ابن الجيران ”صالح“، فتتحول القصة كلها في لحظة واحدة من وصية أخلاقية إلى صراع نفسي داخلي، دون أن يصرح الكاتب بشيء. وهذه إحدى سمات القصة القصيرة جدًا عند حسن علي البطران؛ فهو يترك النهاية معلقة، ويجعل القارئ هو من يكمل الحكاية. ورغم إعجابي بالفكرة، إلا أنني تمنيت لو جاءت الإشارة الأخيرة أكثر خفاءً، لأن النهاية كانت قريبة من التصريح، بينما كان يمكن للرمز أن يمنحها مساحة أكبر للتأويل.

2. قصة ”مغادرة ذبول“

تعد هذه القصة من أكثر نصوص المجموعة شاعرية. فالكاتب يمنح الوردة روحًا، ويمنح الذبول شخصية تغادر وتعود. البكاء، والطائر، والموسيقى الكلاسيكية، والماء... كلها عناصر تعمل معًا لتكوين مشهد شديد الرقة. النص لا يتحدث عن وردة فقط، بل عن الإنسان نفسه. فالذبول هنا قد يكون الحزن أو الاكتئاب أو الانكسار، بينما يصبح الماء رمزًا للحياة، وتصبح الموسيقى رمزًا للأمل. أعجبني أن الكاتب استطاع في بضعة أسطر أن يحول مشهدًا بسيطًا إلى فكرة إنسانية واسعة. لكنني شعرت أيضًا أن الرمزية هنا جاءت واضحة أكثر من اللازم، فلم أحتج إلى جهد كبير للوصول إلى المعنى، بينما في نصوص أخرى بالمجموعة كان التأويل أوسع وأكثر ثراءً.

3. قصة ”جدران قرية مبللة“

هذه القصة من أكثر النصوص التي تعتمد على الصورة البصرية. يبدأ الكاتب بأشياء عادية: سيجارة... شوكولاتة... قارورة ماء... ومسدس. ثم تنقلب الصورة تمامًا مع نزول المطر. المطر في الأدب غالبًا يرمز إلى التطهير، لكن الكاتب يستخدمه هنا ليكشف القبح المختبئ. وجود المسدس وسط تفاصيل الحياة اليومية يجعل القارئ يشعر بأن العنف أصبح جزءًا من المشهد الاعتيادي. أما النهاية:

”تفتح عيناها؛ دماؤهم لونها المفضل في طلاء جدران القرية.“

فهنا تبلغ القصة ذروة الصدمة. إنها ليست نهاية تشرح، بل نهاية تصفع القارئ. وربما لهذا السبب بقيت هذه القصة في ذهني أكثر من غيرها. ومع ذلك فإن هذا النوع من النهايات قد يكون قاسيًا على بعض القراء، خاصة من يفضلون الإيحاء الهادئ على الصدمة المباشرة.

4. قصة ”أرجيلة“

هذه القصة مثال واضح على الاقتصاد اللغوي. سطران فقط، لكنهما يكشفان شخصية كاملة:

”لبس نظارته...“

الجملة الأولى توحي بالحكمة أو الوقار. ثم تأتي الجملة الثانية:

”شد أزراره، طلب شراء نوع من الأرجيلة.“

فيحدث الانقلاب. النص لا يسخر من الأرجيلة نفسها، بل يسخر من التناقض بين المظهر والجوهر. فالكاتب لا يقول إن الرجل منافق، ولا يصفه بأي صفة، وإنما يترك الأفعال وحدها تقوم بالمهمة. وهذه من أجمل خصائص القصة القصيرة جدًا.

5. قصة ”زعفران أمي“

من أكثر النصوص دفئًا في المجموعة. فالعلاقة بين الأم والابن تُقدم في أقل عدد ممكن من الكلمات. الزعفران هنا ليس مجرد رائحة، إنه رمز للبيت، ورمز للأمان، ورمز لطفولة لا تزال تسكن الذاكرة. وفي المقابل يظهر الأب بوصفه ممثلًا للعقل والصرامة، بينما تمثل الأم الحنان والاحتواء. الكاتب لم يدخل في صراع مباشر بين الشخصيتين، بل اكتفى بابتسامة الأم في النهاية. وهذه الابتسامة وحدها كانت كافية لإنهاء المشهد.

6. قصة ”أفق“

ربما تكون هذه أقصر قصص المجموعة، لكنها من أكثرها إثارة للأسئلة:

”انتظرها... قطعت القلادة.“

لا يخبرنا الكاتب من هي، ولا لماذا انتظرها، ولا لماذا قطعت القلادة. لكن القارئ يعرف أن القلادة غالبًا ترمز إلى علاقة انتهت. ولذلك تصبح النهاية أكبر من عدد كلماتها. هذا النوع من القصص يحتاج إلى قارئ يقبل المشاركة في كتابة النهاية. أما القارئ الذي يبحث عن أحداث مكتملة فقد يشعر أنها ناقصة. وهنا تظهر فلسفة الكاتب في معظم نصوص المجموعة؛ فهو يثق في ذكاء قارئه أكثر مما يثق في الشرح.

7. قصة ”إقحام طوبة“

هذه القصة تعتمد على المفارقة الساحرة. فالعنوان يوحي بالعنف، لكن النهاية تقول:

”ألبسوه عباءة القيادة... بعد مدة وجدوه خرقة. سألوه، قال: هم... أليس أنا قائدكم؟!“

النص ينتقد السلطة بطريقة غير مباشرة. فالكاتب لا يهاجم شخصًا بعينه، وإنما ينتقد فكرة القائد الذي يكتفي بالمكانة دون مسؤولية. وفي رأيي، هذه من أنجح القصص السياسية في المجموعة؛ لأنها حافظت على الرمز ولم تقع في المباشرة.

خاتمة

في النهاية، قدم الكاتب أ. حسن علي البطران تجربة مختلفة، سواء اتفق معها القارئ أو اختلف. فالأدب الحقيقي ليس ذلك الذي يجعل الجميع يصفقون له، بل الذي يدفع القارئ إلى التفكير، وإعادة النظر، وربما الاختلاف أيضًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نفضل أن نعيش رحلة طويلة بين صفحات رواية، أم تكفينا قصة قصيرة جدًا تضيء فكرة، ثم تتركنا نكمل الحكاية بأنفسنا؟

كاتبة مصرية