آخر تحديث: 3 / 8 / 2026م - 12:31 ص

الرياض تنمو شمال شرق: آفاق العقار والاقتصاد والاستثمار

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

يأتي إعلان الهيئة الملكية لمدينة الرياض عن انجاز المخطط العام الاولي للمنطقة شمال شرق العاصمة بمساحة تزيد عن 450 كيلومتر مربع كالخطوة مفصلية استجابة لمتطلبات مدينة تضج بالحيوية وأسباب النمو؛ ليس أقلها نمو سكاني واقتصادي متسارع تشهده الرياض، التي يُقدر عدد سكان منطقتها الحضرية حالياً بنحو ثمانية ملايين نسمة، بمعدل نمو سنوي يتجاوز بفارق مهم متوسط النمو الوطني، ويبدو أن عدد السكان في طريقه نحو العشرة ملايين بلا عوائق بحلول العام 2030. وتُعد الرياض محرك رئيس للاقتصاد الوطني، إذ تسهم بنحو نصف الناتج المحلي غير النفطي، وتستقطب غالبية الوظائف الجديدة المولدة في المملكة. كما تطمح العاصمة إلى الانضمام إلى قائمة أكبر عشر اقتصادات مدن في العالم بحلول عام 2030، بعد أن كانت تحتل مرتبة متأخرة نسبياً قبل إطلاق الرؤية.

عقارياً، يمثل المخطط إضافة جوهرية إلى المعروض المحتمل من الأراضي المنظمة والمطورة على المدى المتوسط والطويل، لا سيما في قطاع الإسكان والمجتمعات المتكاملة. ويوجه الطلب والاستثمار نحو شمال شرق الرياض، ويحد من العشوائية بفضل وضوح الاستخدامات المستقبلية، مما يعزز جاذبية الأراضي بفضل قربها من المطار والمحاور الرئيسة. ويتسق المخطط مع سياسات التوازن العقاري، بما في ذلك نظام رسوم الأراضي البيضاء ومنصة التوازن العقاري، فيسهم تدريجياً في إعادة التوازن بين العرض والطلب والحد من المضاربات.

أما تأثيره على أسعار الأراضي البيضاء، فيرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام الرسوم التي تصل إلى 10% سنوياً حسب الشريحة والأولوية، إلى جانب رفع الإيقاف عن مساحات واسعة شمال الرياض. ويُتوقع على المدى المتوسط والطويل أن يمارس المخطط ضغطاً نحو اعتدال أسعار الأراضي الخام أو تراجعها التدريجي، من خلال زيادة المعروض المحتمل وتقليل حافز الاحتفاظ لأغراض المضاربة. وقد سجلت بعض الأراضي الخام في شمال الرياض تراجعات فعلية إلى ما دون ألف ريال للمتر في ظل هذه السياسات، في المقابل، قد ترتفع قيم الأراضي ذات المواقع الاستراتيجية داخل النطاق أو القريبة منه على المدى القصير نتيجة وضوح الأفق التطويري، غير أن الرسوم والتطوير المرحلي يحدان من الارتفاعات المفرطة ويشجعان على التطوير أو البيع.

اقتصادياً، يدعم المخطط جهود التنويع من خلال تخصيص مساحات للأنشطة الاقتصادية وقطاعات النمو الواعدة، ويجذب استثمارات في البنية التحتية والإسكان والتجارة والخدمات والترفيه. ويستفيد من الموقع الاستراتيجي لتعزيز اللوجستيات والسياحة والأعمال المرتبطة بالنقل الجوي، ويولد فرص عمل في مراحل التخطيط والتنفيذ والتشغيل. كما يساهم في توزيع النشاط الاقتصادي بعيداً عن المركز التقليدي، ويرفع كفاءة استخدام الموارد بما يتوافق مع أهداف رؤية 2030 وتحويل الرياض إلى مدينة عالمية تنافسية. وفي هذا السياق، فمن أبرز مشاريع البنية التحتية المرتبطة: الربط المباشر بمطار الملك خالد الدولي ومشاريع توسعه، ووادي السلي، وطريق الدمام، وطريق الجنادرية. ويرتبط كذلك ببرنامج الهيئة الملكية لتطوير محاور الطرق الرئيسة والدائرية، الذي يشمل مراحل متعددة بتكاليف تقدر بمليارات الريالات وتتضمن توسعات طرق وجسوراً وأنفاقاً وتقاطعات لرفع الطاقة الاستيعابية. وستتضمن المراحل اللاحقة تطوير شبكات النقل العام والمرافق الأساسية والمساحات الخضراء، فيما تتكامل مع مشاريع تطوير نشطة قائمة مثل مشروع «الفرسان».

اجتماعياً، يركز المخطط على تصميم مجتمعات متكاملة تقرب السكن من الخدمات اليومية، مما يقلل أوقات التنقل ويحسن الراحة اليومية. ويعزز المساحات الخضراء ويحافظ على الأودية الطبيعية لرفع جودة البيئة الحضرية والصحة العامة، وينظم التوسع السكاني بطريقة متوازنة تخفف الضغط عن الأحياء القائمة. ويربط المنطقة بشبكات النقل والبنية التحتية لتحسين إمكانية الوصول والاندماج الاجتماعي، ويدعم توزيعاً أكثر عدالة للفرص والخدمات بما يعزز الاستقرار الأسري.

وأخذاً في الاعتبار مساحات المدن الكبرى عالمياً، تُقدر مساحة النطاق العمراني أو الإداري المعتمد لمدينة الرياض حالياً بما يتراوح بين 1,800 و 3,115 كيلومتراً مربعاً حسب التعريفات المستخدمة. وبإضافة مساحة المخطط الجديد البالغة 456 كيلومتراً مربعاً، قد ترتفع الرقعة التخطيطية إلى نحو 3,571 كيلومتراً مربعاً، أي بزيادة نسبية تقارب 15% في بعض التقديرات. وهذا التوسع يضع الرياض ضمن المدن الكبيرة عالمياً من حيث المساحة التخطيطية، متجاوزة مساحة لندن الكبرى ونيويورك سيتي، ومقاربة أو متجاوزة في بعض المقاييس مدناً مثل طوكيو أو دبي، مع الإبقاء على التركيز على التطوير المرحلي المنظم للحفاظ على الكفاءة الحضرية.

واستثمارياً، يولد هذا القرار فرصاً استثمارية واسعة تمتد عبر حلقات سلسلة القيمة العقارية والتنموية الكاملة، بدءاً من الاستحواذ على الأراضي والتخطيط والتصميم، مروراً بالتمويل والتطوير والبناء، وصولاً إلى التسويق والإدارة والتشغيل والصيانة وإعادة التطوير.

ولا تقتصر هذه الفرص على القطاع السكني، بل تمتد بقوة إلى القطاعين التجاري والمختلط من خلال مشاريع المكاتب والمراكز التجارية والفنادق والمرافق الترفيهية والمجتمعات متعددة الاستخدامات. كما تنشط الروابط الخلفية عبر الطلب على مواد البناء والتشييد والمقاولات والخدمات الهندسية والتمويل والتأمين، فيما تتعزز الروابط الأمامية من خلال تنشيط الخدمات العقارية وإدارة الممتلكات والوساطة والتأجير والقطاعات المساندة مثل التجزئة والضيافة واللوجستيات والتقنية. ويمكن أن يشمل المخطط منطقة صناعية ومركزاً لوجستياً متكاملاً وخيارات تنموية متنوعة، إضافة إلى مركز أعمال حديث يخفف الضغط عن وسط المدينة ويتيح له التحول إلى قلب اقتصادي ومالي وتجاري أكثر تخصصاً. كما ينعكس إيجاباً على المنطقة الشرقية من خلال تعزيز الارتباطات اللوجستية والصناعية عبر طريق الدمام، ويدعم القطاعات الإنتاجية داخل الرياض عبر توفير مساحات صناعية ولوجستية قريبة من شبكات النقل. ويخلق المخطط بيئة جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين بفضل وضوح الرؤية طويلة الأمد، مما يعزز تدفق رؤوس الأموال ويدعم بناء منظومة اقتصادية متكاملة تسهم في تحقيق مستهدفات الرياض كواحدة من أكبر عشر اقتصادات مدن عالمياً بحلول عام 2030. نقول هذا في انتظار المزيد من التفاصيل.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى