آخر تحديث: 29 / 7 / 2026م - 10:07 م

قلبُ يُوسُفَ.. كل فعل صورة لجوهر فاعله «2»

الدكتور محمد المسعود

في المقالِ السابقِ تحدّثنا عن عقدة الاستحقاق، وظنِّ النفس أنّها تستحقُّ دائمًا أكثرَ ممّا تنال، وأكثرَ ممّا يقدِّره الله لها من هباتٍ وعطايا.

وحين أخبرنا الله تعالى عن جريمةِ قتلِ نبيٍّ من قِبَلِ إخوتِه، ثمَّ بيعِه عبدًا، بيعًا مرتهنًا بالذلِّ، والممهورِ بحقدٍ أسود، وضغينةٍ نتنة، يقول القرآن: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ، ثم يقول: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ . قال جعفرُ بنُ محمّدٍ الصادقُ : ”بيعَ يوسفُ بثمنِ كلبٍ أَجْرَب“.

بيعَ بثمنِ كلبٍ أَجْرَب، فكان قلبُه غافيًا في سكونِ الطمأنينة، رَسَبَ في ذلِّ السجن، ونال مهانةَ التهمة، وغلظةَ رسومِ العبوديةِ وقسوتَها، وكان راضيًا عن ربِّه تمامَ الرضا، منكشفًا عليه بحبِّه وتعلُّقِه ودوامِ تسبيحِه، غافلًا عن نفسِه، غيرَ عابئٍ بكلِّ الأنوثةِ الناضجةِ المتزاحمةِ حولَه، والساعيةِ إليه، حتى بات طُهرُه كالنهارِ مكشوفًا للجميع، يُعرَفُ به، ولا يرتفعُ إليه أحدٌ غيرُه.

ولم يخرجْ قلبُه عن رضاهُ الأول، وقصدِه الأول، ويقينِه الأول.

إنّه قلبُ يوسف: الكمالُ الذي تمَّ نُضجُه، الكمالُ الذي تمَّ طُهرُه، الكمالُ الذي تمَّ عفافُه وعِفَّتُه.

ينبغي إعادة توليد فهمٍ جديدٍ ليوسف؛ ذلك لأنّه امتنع عن المعصية؛ لأنّه أجلُّ من أن ينحدرَ إلى النظرِ إليها، وتجاوزَ الخطيئة؛ لأنّه في جوهرِه متعالٍ بما لا تصلُ إليه أو تقتربُ منه. يوسف كان ممتلئًا بالله، ممتلئًا بطهارةِ نفسِه، ممتلئًا بطهارةِ روحِه، وهذا على مستوى الوعي يجعله أرفعَ من التردّي إلى خطيئةٍ بمستوى خطيئةِ الزنا برجسِها وخساستِها.

القلبُ الممتلئُ بالله لا يسقط، السقوطُ يحدثُ حين يكونُ القلبُ فارغًا من الله. ولكنَّ قلبَ يوسف طينةٌ من الجنة، ويحملُ طُهرَها. روحُه ترتفعُ بعد كلِّ تجربةٍ عسيرةٍ يعبرُها بروحٍ بتولٍ يصفيها اللهُ، ويصطفي قلبَه. ثلاثين صبرًا من عمرِه، وثلاثين تجلّيًا على روحِه، وثلاثين تحوُّلًا في خشوعِ نفسِه، عبرها جميعًا، لم يجعلْ لنفسِه نصيبًا، ولو ضئيلًا، منها، وهبَها كلَّها لله، فوهبَه اللهُ الملكَ بتمامِه، والعزَّةَ بتمامِها.

الكذب... خزيٌ معجَّل

قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً . الظلمةُ تعملُ فيها النفسُ حين تخافُ من مواجهةِ حقيقتِها، وتخشى من ظهورِ التفاصيلِ التي تَشي بالكذب، وتخشى من وشايةِ العيونِ التي لا تعرفُ الكذبَ ولا تُعينُ عليه. أمّا البكاء، فأداةٌ لغوايةِ العاطفة، وللتغطيةِ على العقل. ﴿يَبْكُونَ ، غوايةُ العاطفةِ أداةٌ من أدواتِ إخفاءِ الجريمة، ولا تزالُ هي الأداةَ الأكثرَ تأثيرًا في إضلالِ العقل.

أمّا ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ فهي كذبةٌ قابلةٌ للتصديق، وتزييفٌ للواقع. ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ، الدمُ الكاذبُ هو خاتمةُ المشهد، أو هو الدليلُ الماديُّ الأخيرُ الذي يُرادُ به إغلاقُ بابِ الشكِّ. لكنَّ الدليلَ المزيَّفَ دائمًا يحملُ تناقضًا؛ فالقميصُ سليمٌ من التمزُّق، والدمُ كان يحملُ رائحةَ دمِ شاةٍ. القاتلُ يتصفُ بغباءٍ فطريٍّ غالبًا، ويحملُ قدرًا غيرَ يسيرٍ من الاضطراب، ولذا لا تقعُ جريمةٌ كاملةٌ بالمطلق.

يعقوبُ النبيُّ لم يُناقش شيئًا، بل قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا . قال: بل... إعراضًا عنهم بالمطلق، لم ينزلْ إلى مستوى غباءِ الاستدلالِ الساذج، وأبعدَ عن أذنيه ضجيجَ البكاءِ المزيَّف، والروايةَ الكاذبةَ المحمولةَ على أغلظِ الأيمان.

فَصَبْرٌ جَمِيلٌ... أوَّلُ الطريق

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . الدخولُ على الله بعبادةِ الصبر، واحتمالِ ألمِ التجربةِ والاختبار، هو لحظةُ الصعودِ إلى الله، وتمحيصُ اليقين. الصبرُ الجميلُ هو صبرٌ بلا شكوى، وكتمانُ الألم، وعدمُ البوحِ به؛ لأنَّ الشكوى للناس تعني عدمَ الرضا عمّا يختاره الله لنا، وتعني عدمَ الرضا عن فعّالٍ لما يريد، وتعني عدمَ نجاتِنا من عقدة الاستحقاق، وأنّنا دائمًا نستحقُّ شيئًا أفضلَ ممّا قدَّره الله لنا، وأكثرَ ممّا أعطانا.

الصبرُ الجميلُ عند يعقوب هو الوقوفُ على بابِ الله وحده.

﴿قُلْ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . اليقينُ لا يأذنُ للعبدِ أن يشتكي اللهَ عند خلقِه، أو أن يحملَ سخطَه على قضائِه وقدرِه بلسانِه، ويلقيَه على أسماعِ العاجزين من حولِه. ”إنما أشكو...“ حصرٌ لا يتعدَّد، وتقييدٌ لا يتَّسع. ”إلى الله“ واحدُ القدرة، وواحدُ القلب، وأحدُ الملكِ والملكوت.

”إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ“

قلوبُنا في ظمأٍ مستدامٍ إليها. إجلالُ العطيّةِ وحفظُ حرمتِها في القلب؛ يوسف يعيشُ حرمتَها، ولم يُغادرْ قلبَه حقُّها، حرمةُ إحسانِ المحسنِ إليه، والذي يحفظُ حقَّه، بثمنٍ باهظٍ مرتفعِ القيمة، أن يدفعَ ما تبقّى من عمرِه ثمنًا لهذا الوفاءِ الجليلِ العظيم.

ينبغي ألّا نغفلَ أنَّ الخطيئةَ كانت، أمام يوسف ، هذه المرّة محمولةً على مبرِّراتٍ تُسوِّغُ الإقدامَ عليها بتخفُّفٍ من أثقالِ الضمير: أولًا: الإكراه، وهو مُسقِطٌ للمسؤوليةِ الجنائية. ثانيًا: الاضطرار، وهو مُسقِطٌ للحرمةِ الشرعية. ثالثًا: حمايةُ النفس، وهي من الفرائضِ الواجبة.

قال: ”إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ“. الشريفُ يرتفعُ إلى شرفِه، والوضيعُ ينحدرُ إلى محلِّه الذي جاء منه. يوسف لم يقل: ”أخافُ العقوبة“، ولا قال: ”أخافُ الفضيحة“، ولا قال: ”أخافُ من الله أن يعاقبني“. بل قال: ”إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ“، أي: لا أخونُ من أحسنَ إليَّ.

كلُّ ظاهرٍ رسولٌ لباطن، وكلُّ فعلٍ صورةٌ لجوهرِ فاعلِه، وكلُّ طلبٍ منك هو مظهرٌ لمكنونِك، وكلُّ حاجةٍ إليك هي مظهرٌ لحقيقةِ قيمةِ الأشياءِ في نفسِك، وكلُّ فعلٍ هو مظهرٌ لما أنت عليه، وكلُّ إقبال، وكلُّ إعراض، وكلُّ سعي، وكلُّ طلب، وكلُّ قصد، وكلُّ إيماء، وكلُّ كلمة، وكلُّ نورٍ، وكلُّ ظلمةٍ فيك ومنك، وكلُّ وفاء، وكلُّ غدر، وكلُّ شكر، وكلُّ نكرانٍ لمعروف... هي قلبُك، وجوهرُك، وحقيقتُك.

وحين قال يوسف: ”إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ“ أخبرَنا حقيقتَه، ومعناه الذي يحملُ من اللطفِ والطهرِ والنبلِ أشكالًا وألوانًا.

وتركَنا من خلفِه نبصرُ أنفسَنا بهشاشتِها أمام استحقاقِ الوفاءِ المثقلِ بالأذى للذات، وقلوبُنا تعجزُ عن الوفاءِ السهلِ دون تعبٍ، وبلا مشقّةٍ على النفس.

فينا قلوبٌ تخلَّت عن الوفاءِ للمرضعاتِ اللواتي أرضعنهنَّ، وهنَّ في رعشةِ الضعف، ومضاضةِ العوز، وهوانِ الحاجة. كلُّ شيءٍ هو أصلُ ذاتِه، وباتت ذواتُنا قليلةَ الوفاء، نُسرفُ في التأكيدِ على امتلاكِ صفاتٍ لم نرتفعْ إليها، ونُسرفُ في الظنِّ بأنَّ فينا فضائلَ لم نبلغْها.

لذا تركَ فينا يوسف ما يُخجلُ الوفاءَ فينا، وما يُوقظُه، وما يرفعُنا إليه. تركَ فينا:

”إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ“.