آخر تحديث: 29 / 7 / 2026م - 10:07 م

الوعي… حين يكتشف الإنسان نفسه

محمد يوسف آل مال الله *

كم من إنسان يعيش بين الناس وهو يجهل نفسه أكثر مما يجهل الآخرين! يمتلك فكرًا راجحًا، أو قلمًا مبدعًا، أو شخصية قيادية، أو قدرة على الحوار والإقناع، ويشهد له بذلك مَنْ يعرفه، بل ربّما يتكرر الثناء عليه في أكثر من مناسبة، ومع ذلك يبقى أسير صورةٍ رسمها لنفسه منذ سنوات، فيردد: ”أنا لست أهلًا لذلك“، أو ”إنّما يقولون ذلك من باب المجاملة“.

هنا لا يكون النقص في الإمكانات، وإنّما في الوعي. فالوعي لا يعني أن يدرك الإنسان أخطاءه فحسب، بل أن يعرف أيضًا مواطن القوة التي أودعها الله فيه، لأنّ مَنْ جهل نِعَم الله عليه عجز عن شكرها، ومَنْ عجز عن شكرها أهملها حتى تذبل.

ولهذا جاءت الدعوة القرآنية إلى التأمل في النفس قبل التأمل في العالم، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21]. إنّها ليست دعوة إلى معرفة الجسد فحسب، بل إلى اكتشاف الإنسان الكامن في داخله؛ عقله، وقلبه، واستعداداته، ورسالته في الحياة.

ومن هنا نفهم أنّ الوعي بالنفس عبادة، لأنّه يقود إلى معرفة فضل الله، ويمنع الإنسان من أن يعيش دون أن يؤدي رسالته.

ويقول سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]. فلو تأملنا هذه الآية لوجدنا فيها رسالة تربوية عظيمة؛ فالله سبحانه لا يكلّف الإنسان إلّا بما يعلم أنّه قادر عليه. فإذا وضعك في موقع مسؤولية، أو هيأ لك فرصة لخدمة الناس، أو منحك علمًا أو موهبة، فإنّ ذلك دليل على وجود طاقة أودعها فيك، وإن كنت لم تكتشفها بعد.

ولذلك فإنّ التقليل من قيمة النفس قد يكون في بعض الأحيان صورةً من صور عدم معرفة نعم الله. لقد عبّر أمير المؤمنين الإمام علي عن هذه الحقيقة بكلمات خالدة حين قال: ”رحم الله امرأً عرف قدر نفسه“.

ومعرفة قدر النفس ليست غرورًا، بل هي توازن بين الإفراط والتفريط؛ فلا يرى الإنسان نفسه أكبر من حقيقتها، ولا أصغر مما أرادها الله أن تكون. وقال أيضًا: ”قيمة كل امرئ ما يحسنه“.

هنا يلفت الإمام علي الأنظار إلى أنّ القيمة الحقيقية ليست في المظاهر ولا الألقاب، وإنّما فيما يحسنه الإنسان من علم أو عمل أو خلق أو خدمة. بل إنّ الإمام عليًا يقول في كلمة أخرى تحمل بعدًا معرفيًا عميقًا: ”مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربَّه“. ذلك لأنّ الإنسان كلّما ازداد معرفة بنفسه، ازداد إدراكًا لعظمة خالقه، وعرف أنّ تلك المواهب ليست من صنعه، وإنّما هي أمانة يجب أن تؤدى.

كما أنّ من اللافت أنّ القرآن الكريم عرض لنا نماذج لأنبياء عظام لم ينطلقوا من الثقة بالنفس المجرّدة، وإنّما من الثقة بالله. فعندما كلّف الله نبيه موسى بحمل الرسالة قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: 25-28].

لم ينكر النبي موسى ما لديه من تحديات، لكنّه لم يجعلها سببًا للانسحاب، بل طلب من الله ما يعينه على أداء الرسالة، جاءه الوعد الإلهي: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [القصص: 35].

وهكذا يعلّمنا القرآن أنّ الاعتراف بالحاجة إلى العون ليس ضعفًا، وأنّ إدراك الإنسان لقدراته وحدودها هو عين الوعي.

أمّا في مدرسة كربلاء، فقد تجلّى هذا المعنى بأروع صوره. إذ لم يكن أصحاب الإمام الحسين عليه و أصحاب أرقام أو مناصب، بل كانوا رجالًا ونساءً عرفوا أنفسهم، فعرفوا دورهم.

فهذا حبيب بن مظاهر ، وقد جاوز السبعين من عمره، لم يقل إنّ الشباب أولى منّي، ولم يعتذر بكبر سنه، وإنّما رأى أنّ الخبرة التي منحها الله له يجب أن توضع في نصرة الإمام .

وهذا زهير بن القين ، الذي كان في بداية الطريق مترددًا، لكنّه ما إن جلس مع الإمام الحسين حتى تبدّل كل شيء. لم تتغير قوته الجسدية، وإنّما تغير وعيه بنفسه، فأصبح يرى أنّ حياته الحقيقية تبدأ من اللحظة التي يختار فيها الموقف الصحيح.

وهذا القاسم بن الحسن عليهما السلام، الفتى الذي لم يبلغ من العمر ما بلغه كبار القوم، لكنّه أدرك أنّ قيمة الإنسان ليست بعدد سنواته، وإنّما بصدق موقفه، ولذلك قال عندما سُئل عن الموت بين يدي الإمام : ”إنّه أحلى من العسل“.

كما لم تكن النساء أقل وعيًا من الرجال. فالسيدة زينب كانت تدرك أنّها تحمل رسالة بعد انتهاء المعركة، ولذلك لم تنهزم نفسيًا أمام هول الفاجعة، بل وقفت في الكوفة والشام بكل ثبات، حتى أصبحت الكلمة التي خرجت من لسانها امتدادًا لدم الإمام الحسين .

لقد كانت تعرف مَنْ هي، ولم تسمح للمصيبة أن تنسيها رسالتها. وهنا يكمن الفرق بين مَنْ يجهل نفسه ومَنْ يعرفها. فالجاهل بنفسه ينتظر دائمًا مَنْ يدفعه إلى الأمام، ويظل أسير الخوف من الفشل، ويظن أنّ كل ثناء يسمعه ليس إلّا مجاملة.

أمّا الشخص الواعي، فإنّه يصغي إلى نصح المخلصين، ويستفيد من شهاداتهم، ويحاسب نفسه بصدق، ثم يمضي ليطوّر إمكاناته، لا ليبحث عن التصفيق، وإنّما ليؤدي الأمانة.

فمن المؤسف جدًا أنّ كثيرًا من الطاقات في مجتمعاتنا ماتت قبل أن تولد، لا لأنّ أصحابها عاجزون، بل لأنّهم أقنعوا أنفسهم أنّهم لا يستحقون المحاولة.

كم من معلم كان يمكن أن يصنع أجيالًا!

وكم من كاتب كان يمكن أن يوقظ عقولًا!

وكم من خطيب كان يمكن أن يهدي قلوبًا!

وكم من قائد كان يمكن أن يبني مؤسسات!

لكنّهم جميعًا توقفوا عند جملة واحدة: ”أنا لا أستطيع“.

إنّ الوعي يحرر الإنسان من هذه القيود، ويجعله يرى نفسه كما أرادها الله، لا كما صوّرها له الخوف أو التجارب المؤلمة أو كلمات المحبطين. فالإنسان ليس مطالبًا بأن يكون أفضل من غيره، وإنّما أن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس.

في النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منّا على نفسه:

هل أنا أجهل نفسي فعلًا؟

وهل قصّرت في اكتشاف ما وهبني الله من علم أو خلق أو موهبة؟

وهل منعتني صورة قديمة رسمتها لنفسي من أداء رسالة كان يمكن أن ينتفع بها الناس؟

إنّ الوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أنّ كل نعمة منحه الله إياها هي مسؤولية قبل أن تكون ميزة، وأنّ اكتشاف الذات ليس رحلةً نحو الشهرة، بل رحلة نحو أداء الأمانة. فمن عرف نفسه، وعرف رسالته، وأحسن استثمار نعم الله فيه، عاش نافعًا في حياته، وبقي أثره بعد رحيله، وذلك هو الفوز الذي لا يزول.