البارحة كان عيد ميلادكِ أمي
البارحة… أقمتُ لكِ عيد ميلادٍ لا يشبه أعياد البشر؛ إذ لا تُقام احتفالات الغياب، بل تُرتَّل كالمآتم التي ترتدي ثوب الضوء، أشعلتُ عشر شمعات، لكنها لم تكن من شمع، بل من أناملي التي أكلها الانتظار، وكانت النار المشتعلة فيها وجعًا يتغذّى على ما تبقّى من روحي، أمّا الكعكة، فلم تكن سوى قلبي؛ قلبًا متصدّعًا، يابس الحواف، تتوسّطه عبارةٌ وحيدة: كلُّ عامٍ وأنتِ في قلبي تولدين من جديد.
وما إن هممتُ أن أبتسم، حتى هبّت ريحٌ مجهولة، كأنها جاءت من الجهات الأربع تحمل توقيع الفقد، فأطفأت الشموع دفعةً واحدة، واستيقظتُ من حلمٍ كان أحنَّ من اليقظة، وما يزال في فمي طعمُ الكعكة، وفي راحة يدي عبقُ زهر الرازقي، الذي كان يتدلّى من خُصَل شعركِ، وفي الهواء ظلّ عطركِ، كأن الغياب يعرف كيف يترك براهينه ثم يختفي، منذ رحيلكِ، لم يعد الزمن يمشي إلى الأمام؛ صار يدور حول قبرٍ لا أعرف أين ينتهي، وحول قلبٍ لا يعرف كيف يبدأ من جديد، الأيام لم تعد تُقاس بالساعات، بل بعدد المرّات التي أبحث فيها عنكِ بين الأشياء، فأكتشف أن الأشياء جميعها فقدت أسماءها منذ فقدتكِ.
البارحة… دخلتُ مكتبتي، لا لأقرأ، بل لأفتّش عن نفسي القديمة، كانت الرفوف تشبه مقابر صغيرة، والكتب عظامًا من ورق، والغبار يكتب فوقها تاريخًا لا يرحم، فتحتُ ألبومات الصور، فوجدتُ الوجوه باهتة، والابتسامات ذابلة، وكأن الذاكرة نفسها أصابها العمى، ثم وقع بصري على دفترٍ قديم، كُتب على غلافه: ”خربشاتي“ كان من الصف الخامس الابتدائي، قلّبت صفحاته المرتجفة، حتى استوقفتني زاويةٌ صغيرة، كُتبت فيها بقلمٍ أحمر، بخط طفلٍ لا يعرف البلاغة، لكنه يعرف الحقيقة:
”أنا متيّمٌ فيكِ يا أمي.“ يا لسخرية العمر… الطفل الذي كتب تلك الجملة كان أفصح من الرجل الذي أصبحته، كان يملك قلبًا كاملًا، أما أنا فلا أملك سوى شظاياه، عندها لم تبكِ عيناي فقط؛ بل شعرتُ أن الزمن نفسه انحنى، وأن السنوات الطويلة انهارت كجدارٍ بُني من الرمل، فعادت طفولتي تمشي نحوي بخطواتٍ صغيرة، تحمل حقيبتها المدرسية، وتلوّح لي من بعيد.
ما زلتُ أذكر اسم مدرستي؛ مدرسة الكندي الابتدائية بسيهات، كم كانت الساحة واسعة، وكم كنّا نظن أن العالم ينتهي عند سورها، كنّا نركض خلف الكرة، ونضحك حتى تتعب الضحكات منّا، ثم نعود إلى الصفوف كالعصافير التي لا تعرف معنى الأقفاص، وحين ينتهي الدرس الأخير، كنتُ أضم كتبي إلى صدري، وأسير مع أصدقائي نحو البيت، ولم أكن أعلم أن أجمل ما في الطريق لم يكن الطريق… بل نهايته، كنتِ تقفين عند الباب، وكأن البيت لم يكن بيتًا إلا لأنكِ فيه.
كنتِ تفتحين ذراعيكِ، فيسقط عن كتفيَّ تعب النهار، وتذوب المدرسة، والشوارع، والضوضاء، وكلُّ ما كان يخيف طفولتي، كان حضنكِ وطنًا لا يحتاج إلى حدود، وكانت ابتسامتكِ شمسًا لا تعرف المغيب، وكان قلبكِ الأبيض يُقنعني أن العالم، رغم قسوته، ما زال صالحًا للحياة، لكن العالم كاذب يا أمي، لقد أخذكِ، ثم تركني أعيش في مدينةٍ تزداد اتساعًا كلما ضاق صدري، وفي طرقاتٍ أعرفها كلها، لكنها لم تعد تعرفني، أشتاق إليكِ بطريقةٍ لا تستطيع اللغة احتمالها، وأشتاق إلى صوتكِ حين كان يُعيد ترتيب الفوضى داخلي، وإلى يدكِ وهي تتحسّس جبيني إذا مرضت، وإلى صدركِ الذي كان يبتلع خوفي قبل أن أولد به.
كم أحتاجكِ الآن… حين يخذلني الناس، وحين ينتصر الليل، وحين تتكاثر الهموم في فؤادي المثقل بالأسى، أبحث عن كتفكِ، فلا أجد إلا الهواء، أتمنّى لو تأتين، ولو لحلمٍ قصير، لتهمسي كما كنتِ دائمًا: لا تحزن يا صغيري… أمك هنا." لكن الأحلام أصبحت بخيلة، وحتى النوم صار يخاف أن يمنحني وجهكِ، لأن الاستيقاظ بعده أشدُّ قسوةً من الموت نفسه، لقد اكتشفتُ أن اليُتم الحقيقي لا يبدأ حين تموت الأم، بل حين يصبح الإنسان عاجزًا عن تذكّر نبرة صوتها كاملة، فيقضي عمره يحاول ترميمها من صدى الذاكرة.
وأنا يا أمي… كلما تقدّم بي العمر، ازددتُ طفولة، كلما اشتدّ ظهري، ازداد انكساري، وكلما تعلّمتُ أسماء الأشياء، نسيتُ اسم الحياة، لأن الحياة كانت أنتِ، أما الآن، فهي ظلٌّ طويلٌ يمشي خلفي، ويذكّرني أن الإنسان قد يواصل التنفّس سنواتٍ طويلة، لكن الحياة تغادره يوم يغادره قلبه.
ما زلتُ أراكِ في كلِّ زاويةٍ، ويطلُّ وجهُكِ من كلِّ نافذةٍ، وتتقدَّمين في كلِّ دعاءٍ على الأمنياتِ جميعًا… فكيف أنساكِ؟ وأنا نبضةٌ خرجت من نبض قلبكِ، وروحٌ استأذنت روحكِ قبل أن ترى النور، أنتِ لستِ ذكرى يا أمي… لأن الذكرى شيءٌ مضى، وأنتِ الشيء الوحيد الذي لم يمضِ، أنتِ غيابٌ يتقن الحضور، وصمتٌ يتكلّم في أعماقي أكثر من كل الأصوات، وجرحٌ كلما حاول الزمن مداواته، اكتشف أنه خُلِق ليبقى مفتوحًا، فإن كان لكل إنسان عيدٌ لميلاده، فإن يوم ميلادكِ بالنسبة إليّ هو اليوم الذي وُلد فيه معنى الرحمة على هذه الأرض… ويوم رحيلكِ هو اليوم الذي أدركتُ فيه أن الموت لا يسرق الأرواح فحسب، بل يسرق اللغة أيضًا؛ فمنذ غبتِ، وأنا أكتب كثيرًا… لأنني لم أعد أعرف كيف أبكي.













