كلمات أصابت كبد الحقيقة
وأنا أتصفح إحدى منصات التواصل الاجتماعي، وقعت عيني على كلمات أصابت كبد الواقع وحاكته فعلًا ومنطقًا، حيث قال قائلها: «هل تعلم أن أنثى الحمار لا تستطيع أن تلد إنسانًا، بينما أنثى الإنسان من الممكن أن تلد حمارًا؟»
وهما تشبيه ومقارنة في محلهما؛ فكم من شخص تتوسم فيه الفهم، وحسن التصرف، وقوة الإدراك، ولكن تصرفاته وسلوكه يقولان عكس أقواله، بل يهرف بما لا يعرف، وكأنه دابة همها علفها، وهو ذلك الإنسان الذي لا هدف له، ولا يشغله سوى الملذات، والاستغراق المادي، وتبلد الفكر، ويعشعش الجهل المتغلغل نفسيًا ووجدانيًا في طباعه، والانشغال عن الغاية الحقيقية من وجود الإنسان على هذا الكوكب.
وهو ما يجسد واقعًا نعيشه بمعنى الكلمة، ويصور حقيقة قد نتجاهلها، ولا تخطر على عقولنا لنتأملها، فتعيها آذان واعية، لنكتسب منها دروسًا وعبرًا وعظات بالمعنى الإرشادي والتوجيهي، الذي نحن في أمس الحاجة إليه، لنفرق بين البعد المنطقي والشكلي، وبين الواقع والمضمون، لتشخيص بعض بني البشر وتفاعلهم مع النهج الذي يحمل فكرًا وفهمًا معوجًا لا يمت إلى الحقيقة بصلة.
كلما وجهتهم إلى ما يصلح شأنهم وحياتهم، اتخذوا طريقًا معاكسًا في توجهاتهم ورؤيتهم ومصلحتهم، فتراهم يشرقون تارة ويغربون أخرى دون جدوى، وكأن العتمة والجهل قد استحكما عليهم، واستحوذا على فكرهم وعقولهم، وأسوأ مصائب الجهل أن يجهل الجاهل أنه جاهل.
وما أكثر هذه النماذج انتشارًا في بيئتنا، وما تخلفه من آثار سلبية في توجهاتهم البعيدة عن روح الحقيقة؛ فهي تهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع، بتخبطهم وتعصبهم الأعمى، من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
لذا؛ فإن على العقلاء وأهل الحكمة وأصحاب النظرة السليمة احتواؤهم وانتشالهم من هذا المستنقع بالكلمة الطيبة، والنصح والإرشاد الهادئ، وأن تكون النصيحة في السر، وبلطف ولين، وليست في العلن على مرأى ومسمع من الناس، حتى لا تكون فضيحة أو تعييرًا.
ولنتخذ من النهج الإسلامي الأصيل قدوة في كيفية محاربة الجهل ومساوئه وتداعياته، والتصدي له بالطرق السليمة والحكيمة، في احتوائه والسيطرة عليه قلبًا وقالبًا، بالود والمحبة والمجادلة الحسنة، متخذين من كتاب الله مرجعًا ومنهاجًا، حيث قال - جل وعلا -: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وقال أيضًا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
والله الموفق.













