ظلال من الذاكرة.. سيرة ذاتية وفكرية للشيخ حسن الصفار
يُعد كتاب «ظلال من الذاكرة - الطبعة الأولى، 1443 هـ/ 2022 م، بسطة حسن للنشر والتوزيع، القطيف - السعودية» سيرةً ذاتيةً وفكريةً للشيخ حسن الصفار، لا تقتصر على استعراض محطات حياته الشخصية، بل تتجاوز ذلك لتوثيق جانب مهم من التاريخ الاجتماعي والثقافي والديني في منطقة القطيف والخليج خلال العقود الماضية.
ويؤكد المؤلف في مقدمته أن ما يكتبه ليس تاريخًا شاملًا، وإنما «ظلال» تستحضرها الذاكرة، مع ما قد يعتري الذاكرة البشرية من نقص أو تأثير للحاضر في استعادة الماضي.
الكتاب يجمع بين: السيرة الذاتية، والتوثيق التاريخي، والتأملات الفكرية، وتسجيل التجارب الدعوية والاجتماعية، والتعريف بالشخصيات التي أثرت في تكوين المؤلف.
لذلك فهو ليس مجرد مذكرات شخصية، وإنما وثيقة اجتماعية وثقافية تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ المجتمع.
أولاً: الطفولة والنشأة
يفتتح المؤلف الكتاب بذكريات طفولته في مدينة القطيف، فيصف البيت الذي نشأ فيه، وطبيعة الحياة قبل وصول الكهرباء والمياه للمنازل، وأسلوب المعيشة البسيط، والعلاقات الأسرية، ودور الوالد والوالدة في بناء الأسرة.
كما يقدم وصفًا حيًا للحياة الاجتماعية في أحياء القطيف القديمة، بما فيها الأسواق والمساجد والعلاقات بين الجيران.
ثانياً: أثر الوالد في تكوين شخصيته
يفرد المؤلف مساحة واسعة للحديث عن والده الحاج موسى الصفار «ت: 1429 هـ»، ويبين أثره في تنمية الحس الديني، وحفظ الشعر، وحضور المجالس الحسينية، والتعرف المبكر على العلماء والخطباء، وبناء شخصية تميل إلى القراءة والخطابة.
ويصف كيف كان والده يصحبه إلى المجالس ويعلمه الأشعار والقصائد التي شكلت فيما بعد رصيدًا مهمًا في مسيرته الخطابية.
ثالثاً: دور الوالدة
يبرز الكتاب شخصية الوالدة زهراء الملا محمد آل سيف «ت: 1414 هـ» باعتبارها نموذجًا للكفاح والعمل، إذ أسهمت في تحسين دخل الأسرة عبر متجر صغير داخل المنزل، وشجعت أبناءها على تحمل المسؤولية منذ الصغر.
كما يكشف عن دور المرأة في المجتمع آنذاك وما كانت تتحمله من أعباء الحياة اليومية.
رابعاً: الدراسة والتعليم
يتحدث المؤلف عن الكتّاب وتعلم القرآن، والمدرسة الابتدائية، والمدرسة المتوسطة، وطبيعة التعليم في تلك الفترة، والعلاقة مع المعلمين، والنشاطات المدرسية.
ويشير إلى بدايات ظهوره الأدبي من خلال الإذاعة المدرسية، والصحف الحائطية، ونظم الشعر.
خامساً: بداية الخطابة الحسينية
يمثل هذا الفصل إحدى أهم محطات كتاب «ظلال من الذاكرة»، إذ يوثق الشيخ الصفار البدايات المبكرة لمسيرته الخطابية، ويكشف كيف تشكلت شخصيته العلمية منذ سنوات الطفولة.
يروي المؤلف أنه كان شديد التأثر بالمجالس الحسينية التي كان يصحبه إليها والده، فحفظ كثيرًا من القصائد والروايات، وأخذ يقلد الخطباء في المنزل أمام أفراد أسرته، حتى طلب من والده أن يصنع له منبرًا صغيرًا، فكان يلقي عليه ما يحفظه من خطب وأشعار.
ولم تقتصر التجربة على التقليد داخل المنزل، بل بادر إلى جمع أطفال الحي وتأسيس مجلس حسيني خاص بهم، ثم انتقلت قراءاته إلى بعض المساجد، قبل أن تبدأ الدعوات تتوالى إليه من الحسينيات والمجالس في مختلف مدن وقرى القطيف، رغم أنه لم يتجاوز الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره.
وقد حظيت هذه الظاهرة باهتمام المجتمع وتشجيع كبار الخطباء والوجهاء، حتى اشتهر بلقب «الشامي الصغير»، تشبيهًا له بالخطيب العراقي السيد حسين الشامي الذي كان يحظى بإقبال جماهيري واسع.
ويبرز الفصل أيضًا أن نجاح المؤلف لم يكن وليد الموهبة وحدها، بل جاء نتيجة بيئة أسرية مشجعة، وحضور دائم للمجالس الدينية، وكثرة الاستماع للخطباء، ثم انتقاله تدريجيًا من الاعتماد على الحفظ والمحاكاة إلى بناء شخصيته الخطابية المستقلة بالقراءة والاطلاع.
ومن خلال هذه التجربة يقدم الشيخ الصفار نموذجًا لكيفية اكتشاف المواهب ورعايتها، وأهمية التشجيع المبكر في صناعة الشخصيات المؤثرة في المجتمع.
سادساً: عالم الكتاب والقراءة
يعد هذا القسم من أجمل أجزاء الكتاب، حيث يحكي فيه كيف انتقل من الاعتماد على الحفظ إلى الاعتماد على المطالعة، وكيف تكونت مكتبته الأولى، وأثر الكتب في تشكيل شخصيته العلمية.
كما يذكر المكتبات التي كان يرتادها، وباعة الكتب، وصعوبة الحصول على الكتب في تلك المرحلة، وأهمية القراءة في صناعة الخطيب والمفكر.
سابعاً: الاندماج في الوسط الديني
يتناول المؤلف تجربته في بناء علاقاته مع العلماء والخطباء، ويؤكد أنه اختار سياسة الانفتاح على الجميع وعدم الانجرار إلى الخلافات والانقسامات داخل الوسط الديني، معتبراً أن كثيرًا من تلك الخلافات كانت ذات دوافع شخصية أو فئوية.
ثامناً: الشخصيات المؤثرة
يخصص الكتاب صفحات مطولة للحديث عن الشخصيات التي صنعت جانبًا من تكوينه، ومن أبرزها: الشيخ فرج العمران، والشيخ عبدالحميد الخطي، والشيخ علي المرهون، والشيخ عبدالحميد المرهون، والملا عبدالمحسن النصر، والشيخ سعيد أبو المكارم.
ولا يقتصر على ترجمتهم، بل يوضح طبيعة التأثير العلمي والتربوي الذي تركوه فيه.
تاسعاً: التوثيق التاريخي
لا يكتفي المؤلف بسرد الذكريات، بل يوثق أحداثًا وشخصيات ومجالس دينية وعادات اجتماعية، وينقل وثائق ونصوصًا وقصائد، مما يمنح الكتاب قيمة تاريخية تتجاوز السيرة الشخصية.
ومن الأمثلة على ذلك نقله لتفاصيل تشييع العلامة عبدالحسين الأميني في النجف، كما وثقه بنفسه وشجعه الشيخ فرج العمران على نشره.
يتحدث الشيخ الصفار أن انتقاله إلى عالم الكتابة جاء امتدادًا طبيعيًا لرحلته مع القراءة والخطابة.
فبعد سنوات من الاعتماد على المنبر في إيصال الأفكار، شعر بالحاجة إلى توثيق آرائه وتجربته بالقلم، لما تمنحه الكتابة من فرصة للتأمل، وترتيب الأفكار، والوصول إلى شريحة أوسع من القراء، ويبين دور المرجع الديني السيد محمد الشيرازي في تشجيعه ودعمه لإصدار أول مؤلف له وكان عنوانه: الصوم مدرسة الإيمان.
ويشير إلى أن القراءة المستمرة، وتكوينه لمكتبته الخاصة، واحتكاكه بالمثقفين والعلماء، كلها عوامل أسهمت في صقل قدرته على الكتابة، حتى أصبحت المقالة والكتاب وسيلتين أساسيتين في مشروعه الفكري والدعوي، إلى جانب الخطابة، فكان حريصًا على معالجة قضايا المجتمع والفكر الإسلامي بلغة هادئة وحوارية، تجمع بين العمق والوضوح.
يفرد المؤلف مساحة للحديث عن تجربته في سلطنة عُمان، التي عدّها محطة مهمة في مسيرته الدعوية والفكرية.
فقد أتاحت له هذه التجربة فرصة للتواصل مع مختلف شرائح المجتمع العُماني، والتعرّف على طبيعة التنوع المذهبي والثقافي الذي تتميز به البلاد.
ويبين أن الحوار المباشر، والانفتاح على الآخرين، والابتعاد عن الخطاب المتشنج، كانت عوامل أساسية في نجاح تلك المرحلة.
كما أسهمت التجربة في توسيع آفاقه الفكرية، وتعزيز قناعته بأهمية التقارب بين المسلمين، واحترام التنوع، وبناء العلاقات على المشتركات، وهي المبادئ التي انعكست لاحقًا في كتاباته ومشروعه الإصلاحي والدعوي.
يتناول الشيخ الصفار في هذا الفصل بدايات علاقته بالشعر، موضحًا أن ميله إلى النظم نشأ في سن مبكرة، متأثرًا بالبيئة الدينية والأدبية التي نشأ فيها، وبخاصة والده الذي كان شاعرًا شعبيًا ينظم القصائد في أهل البيت
، وكان يلقن ابنه تلك القصائد ويحفظه إياها. وقد أسهم هذا الاحتكاك المبكر بالشعر في تنمية ذائقته الأدبية، ودفعه إلى محاولة نظم الأبيات بنفسه منذ المرحلة الدراسية.
ويشير المؤلف إلى أن أولى تجاربه الشعرية كانت مرتبطة بالنشاط المدرسي، حيث نظم أبياتًا بمناسبة مسابقة للصحف الحائطية في المدرسة المتوسطة، ولاقت استحسانًا كبيرًا بين الطلاب والمعلمين، حتى إن الأديب الراحل وجدي المحروس كتب قصيدة يشيد فيها بموهبته الأدبية ويشجعه على مواصلة النظم.
ويؤكد الشيخ الصفار أن الشعر لم يكن غاية مستقلة في مسيرته، بل كان وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر وخدمة الرسالة الدينية والثقافية.
ومع اتساع اهتمامه بالقراءة والبحث والخطابة، تراجع حضوره كشاعر، بينما بقي الشعر رافدًا مهمًا لأسلوبه الخطابي والكتابي، إذ أكسبه حسًا لغويًا وبلاغيًا، وساعده على اختيار العبارات المؤثرة وصياغة الأفكار بأسلوب أدبي يجمع بين الإقناع وجمال التعبير.
امتاز الكتاب بأسلوب أدبي سلس يجمع بين السرد والتأمل، وكثافة في المعلومات التاريخية والاجتماعية، وحضور واضح للبعد الإنساني والأسري، وتوثيق دقيق للأسماء والأماكن والتواريخ، وربط التجربة الشخصية بالتحولات الثقافية والدينية في المجتمع، ووفرة الشواهد الشعرية والنصوص والوثائق.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يمثل مرجعًا لدراسة الحياة الاجتماعية في القطيف خلال النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، مصدرًا لتاريخ الحركة الدينية والثقافية في المنطقة، وسجلًا لتطور الخطابة الحسينية والتعليم الديني، وشهادة مباشرة على نشأة أحد أبرز الشخصيات الفكرية والدعوية المعاصرة في المنطقة.
«ظلال من الذاكرة» ليس مجرد سيرة ذاتية، بل هو كتاب يجمع بين التاريخ الاجتماعي، والتوثيق الثقافي، والسيرة الشخصية، والتأمل الفكري.
ومن خلال استحضار ذكريات الطفولة، ومسيرة التعلم، وبدايات الخطابة، وعلاقاته بالعلماء، يقدم الشيخ حسن الصفار صورة حية لتحولات المجتمع القطيفي، وكيف تتشكل شخصية العالم والداعية عبر الأسرة، والتعليم، والقراءة، والانفتاح على الناس.
ولذلك يُعد الكتاب مصدرًا مهمًا للباحثين في التاريخ الاجتماعي والفكري، كما يمثل قراءة ممتعة لكل من يهتم بالسير الذاتية والتجارب الإنسانية.













