آخر تحديث: 27 / 7 / 2026م - 12:30 ص

العراقُ كلُّه عشيرةُ الحسين

الدكتور ماهر آل سيف *

هل سألتَ نفسك يومًا: لماذا يقف العراقيُّ تحت لهيب الشمس، أو في برد الليل، وعلى قدميه ساعاتٍ طوالًا، يطبخ للطريق، ويسقي العابر، ويضمّد الجريح، ويدلّ التائه، ويفرش للمتعب فراشًا، ثم يرجوه أن يأكل وكأنّ الآكل هو صاحب الفضل، والخادم هو المحتاج؟

الجواب قريبٌ من القلب، وإن كان عظيمًا في المعنى والدرب.

تخيّل أنَّ والدك أقام في بيتكم مأدبةً لضيفٍ عزيز، له في قلبه منزلة، وفي روحه محبة، وفي نفسه جلالة؛ ألا يستنفر البيت كله؟

هذا يستقبل عند الباب، وذاك يرتّب السيارات في الرحاب، وثالثٌ يصبُّ القهوة، ورابعٌ يقدّم الشاي والحلوى، وخامسٌ يرشّ ماء الورد والطيب، وسادسٌ يهيّئ للضيف صدر المجلس، وأفضل المأكل، وألين الفرش، وأجمل القول وأصدق البِشر.

لا يخدمون الضيف لأنهم يعرفونه، بل لأنهم يعرفون صاحب الدعوة؛ ولا يكرمونه لذاته وحده، بل كرامةً لمن دعاه، ومحبةً لمن اصطفاه، ووفاءً لمن استضافه ورعاه.

وهكذا يفعل العراقيون في أربعينية أبي عبدالله الحسين .

فالمشاة في عيونهم ليسوا عابري طريق، بل ضيوف الحسين؛ والموكب ليس مطعمًا عابرًا، بل بيت عزومةٍ أبوابه مفتوحة؛ والعراق يوم الأربعين ليس بلادًا متفرقة، بل عشيرةٌ واحدة، كبيرها الحسين، وضيفها زائر الحسين، وشعارها: من قصد حبيبنا، فقد حلَّ في قلوبنا قبل بيوتنا.

ترى الرجل يقف على الطريق ينادي: تفضّل يا زائر، وكأنّه يخشى أن يمضي الضيف دون أن ينال من يده نصيبًا؛ وترى المرأة تعجن وتخبز وتطبخ، وقد تعبت يداها، لكن قلبها مستريح؛ وترى الطفل يحمل الماء، والشيخ يمسح الغبار عن وجه الماشي، والطبيب يعالج القدم المتورّمة، والشاب يحمل حقيبة العاجز، وصاحب المنزل يفرش غرفته لغريبٍ لا يعرف اسمه ولا بلده.

ولكنه يعرف شيئًا واحدًا: هذا ضيف الحسين.

وقد جعل الإسلام إكرام الضيف من علامات كمال الإيمان، فقال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وجعل للضيافة حقًّا يمتد ثلاثة أيام، وما زاد عليها فهو صدقة وإحسان.

فإذا كان ضيف البيت يُكرم لحرمة صاحب البيت، فكيف بضيفٍ قطع الفيافي شوقًا إلى سبط رسول الله؟ وكيف بمن حمل قلبه على قدميه، وسار إلى الحسين حبًّا ووفاءً، لا يريد تجارةً ولا رياءً، بل يريد أن يقول عند الضريح: يا أبا عبدالله، لم نكن يوم الطف معك، فجئناك اليوم نمشي إليك، ونجدّد العهد بين يديك.

إنَّ العراقي حين يقدّم الماء لزائر الحسين، لا يرى كأسًا يُسقى، بل يرى عطش كربلاء يُروى؛ وحين يقدّم الطعام، لا يرى مائدةً تُمدّ، بل يرى امتدادًا لبيت عليٍّ وفاطمة، البيت الذي مدحه القرآن بقوله:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا .

وهذه هي كلمة المواكب وإن لم تنطق بها الألسن:

نطعمكم لله، ونخدمكم حبًّا للحسين، فلا نريد منكم مالًا، ولا مدحًا، ولا جزاءً ولا شكرًا؛ يكفينا أن تمرّوا من أمام بيوتنا، وأن تذكرونا عند حبيبنا، وأن تقولوا له: يا أبا عبدالله، خدمنا قومٌ أحبوك، وأكرمونا لأننا قصدناك.

إنهم لا يقدّمون فضل طعامهم، بل يقدّمون أفضل ما عندهم؛ ولا ينفقون مما استغنوا عنه فقط، بل قد يدّخر الفقير طوال عامه ليقيم أيامًا مائدةً لزوّار إمامه. وهنا يصبح العطاء أغنى من المال، والخدمة أرفع من الجاه، والتعب ألذّ من الراحة، لأن المحبة إذا صدقت، استصغرت ما بذلت، واستعظمت ما قصّرت.

وقد قال حاتم الطائي، وهو لسان الكرم العربي:

أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ
ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ

فالمال يذهب، والطعام ينفد، والقدور تُرفع، والخيام تُطوى، ولكن تبقى حكايةُ يدٍ سقَت عطشانًا، ودارٍ آوت غريبًا، وقلبٍ خدم زائرًا، ابتغاء القرب من الله، ومحبةً لرسوله وأهل بيته.

في الأربعين، لا يسأل العراقي الزائر عن قبيلته، ولا عن وطنه، ولا عن لغته، ولا عن لونه؛ لأن الحب أسقط الحدود، والحسين جمع القلوب، والطريق وحّد الشعوب. فهذا الضيف إيراني، وذاك خليجي، وثالث لبناني، ورابع باكستاني، وخامس أفريقي أو أوروبي، ولكنهم عند باب الموكب اسمٌ واحد: زوّار أبي عبدالله.

وهذه الضيافة ليست طعامًا فحسب؛ فمن أزال حجرًا من الطريق فقد خدم، ومن دلّ حائرًا فقد خدم، ومن أسعف مريضًا فقد خدم، ومن حمل طفلًا فقد خدم، ومن غسل ثيابًا أو أصلح حذاءً أو منح مكانًا للراحة فقد خدم. حتى الابتسامة هناك موكب، والكلمة الطيبة مأدبة، والدعاء ضيافة، والدمعة راية.

إنَّها عزومة الحسين الكبرى؛ صاحبها شهيد، وضيوفها ملايين، وموائدها ممتدة من حدود العراق إلى كربلاء، وخَدَمُها شعبٌ كامل يقول بلسان الحال:

يا أبا عبدالله، لم ندرك نصرتك بالسيف، فننصرك بالخدمة؛ ولم نكن حول خيامك يوم الطف، فنقيم اليوم الخيام لزوّارك؛ ولم نستطع أن نسقي صغارك يوم العطش، فنسقي اليوم كل من سار إليك؛ لعلَّ قطرة ماءٍ نقدّمها لمحبّك، تمحو عن قلوبنا حسرة الغياب، وتكتب أسماءنا في سجلّ الوفاء والانتساب.

وهكذا يتقربون بخدمتهم إلى الحسين، وإلى أبيه أمير المؤمنين، وإلى أمه فاطمة الزهراء، وإلى جدّه رسول الله ﷺ، ويرجون من الله الأجر والقبول، ومن أهل البيت الدعاء والشفاعة؛ لا لأن العمل ثمنٌ للجنة، بل لأن المحبة الصادقة لا تعرف السكون، والولاء الذي لا يتحول إلى عطاءٍ يبقى دعوى بلا برهان.

فلا تعجب حين ترى العراق كلّه واقفًا على الطريق؛ لأن الضيف ضيف الحسين، والحسين سيد الدار، والعراقيون أهله وعشيرته.

إنها ليست موائد على طريق كربلاء، بل قلوبٌ مفروشة على الطريق؛ وليست قدورًا تغلي بالماء والطعام، بل أرواحٌ تغلي بالشوق والغرام؛ وليست خدمةً تنتهي بانتهاء الأربعين، بل بيعة حبٍّ تتجدد كل عام:

يا حسين، ضيوفك ضيوفنا، ومحبّوك أحبابنا، وطريقك طريقنا، وما بذلناه قليلٌ في حقّك، وإن كثر العناء والعطاء.