لعلِّي أُقبَل
مضت سنوات على أول زيارة لي إلى أربعين الإمام الحسين
. واليوم فقط أشعر أنني أقترب من الكتابة عنها.
ليس لأن الذكرى ابتعدت وإنما لأنها بقيت كما هي بينما كنت أنا الذي أحتاج إلى وقت أطول حتى أفهم ما الذي بقي منها في داخلي.
كنت أظن أنني ذاهب إلى زيارة ولم أكن أعلم أنني ذاهب إلى عجز.
منذ أن وضعت قدمي في الطريق كانت فكرة واحدة تسير معي..
كيف سار الحسين هنا؟
كلما امتدت أمامي طرق الخدمة ووجدت الماء حاضرًا كلما احتجته والطعام يُقدَّم قبل أن يخطر في البال والناس يتسابقون إلى راحتك كنت أشعر أن الطريق لا يزيدني إلا عجزًا.
كنت أشرب الماء…
ثم أتذكر طفلًا كان الماء أقرب إليه من يدي وأبعد من أمنيته.
كانت الشمس تلفح وجهي ساعات فأبحث بعيني عن ظل ثم أستحي من نفسي.
أي شمس هذه إذا قيست بشمس كربلاء؟
وأي حر هذا إذا وُضع إلى جانب يوم كانت فيه الرمال تلتهب تحت الأقدام والحديد يتقد فوق الرؤوس والعطش يمزق الأكباد ولا قطرة ماء تبلغ طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا ولا شابًا خرج مع ابن بنت رسول الله ﷺ.
كنت أمشي…
ثم يتوقف خيالي.
لا يعجز عن التصور…
بل يعجز عن الاقتراب.
هناك مسافة لا يقطعها الخيال..
ومهما حاول الإنسان أن يستعير من قلبه وجعًا يبقى يعلم أن الحقيقة والمصاب كانا أعظم.
ثم كنت أرفع رأسي فأرى آلاف الزائرين من حولي وعندها كانت صورة أخرى تطرق القلب.
إذا كان هذا العدد الهائل يملأ الطريق اليوم حبًّا للحسين
فكيف كان المشهد يوم أحاطت عشرات الآلاف بالحسين لتقتله؟
هناك توقفت الأعداد عن أن تكون أعدادًا..
أصبحت وجوهًا..
وسيوفًا..
ورماحًا..
وحصارًا..
وأطفالًا ينظرون إلى كل ذلك..
ونسوة يشاهدن الرؤوس ترتفع على أسنة الرماح..
وخيامًا تأكلها النار..
وأجسادًا بقيت على الثرى ثم جاءت الخيل لتطحنها بحوافرها الحديدية.
كنت أحاول أن أقترب من هذا كله بقلبي…
فأرجع..
ليس خوفًا لأن الإنسان يعجز أن يبلغ بطاقته الإنسانية طرفًا من ذلك المصاب.
هناك أيقنت أن كربلاء لا تُتخيَّل..
وأنها أكبر من قدرة القلب على الإحاطة بها وأن كل دمعة نذرفها إنما هي اعتراف بهذا العجز..
ولهذا لم يكن الطريق عندي مجرد مشي..
كان محاولة.
محاولة أن أقترب..
أن أطرق بابًا لا يُفتح بالقدم وحدها..
أن أترك شيئًا من نفسي في كل خطوة لعلني أصل أقل امتلاء بنفسي وأكثر استعدادًا لأن أُقبَل.
وحين وقع بصري على ضريح سيدي ومولاي الحسين
…
لم يكن أول من وصل هو بصري..
وصل شيء في داخلي قبله..
كأن الروح كانت تعرف الطريق قبل الجسد وكأن القلب سبق العين بسنوات.
وفي تلك اللحظة…
لم أطلب شيئًا ولم أستطع أن اجهز أو اقول دعاء..
كنت أرجو أمرًا واحدًا..
أن يقبلني..
أن ينتشلني..
أن يأخذ بيدي كما يأخذ الغريق إلى سفينة النجاة..
أن يعيدني إلى الفطرة التي خرجت منها ثم أثقلتها الدنيا.
ولا أستطيع إلى اليوم أن أصف تلك اللحظة.. ليس لأن الكلمات قليلة… لأن القلب كان أكبر منها جميعًا.
هناك…
نسيت نفسي.
وحين خرجت…
لم أعد أبحث عنها..
فقد ألبسني الحسين
نفسًا أخرى ما زلت أحاول أن أكون أهلًا لها.
ولهذا كلما سألني أحد عن أول زيارة للأربعين لا أحدثه عن الطريق..
فالطريق ينتهي.
ولا أحدثه عن المسافة..
فالمسافات تُقطع..
إنما أحدثه عن رجل خرج من بيته يريد أن يصل إلى الحسين…
فعاد وما زال إلى اليوم يسير إليه.













