آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 1:08 ص

سيرةُ رجلٍ عاشَ للناس

في ذكرى رحيل الوالد ومرور ثمانية وعشرون عاما على رحيله

أمير بوخمسين

هناك رجالٌ يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون مقيمين في ذاكرة الزمن، لأنهم لم يتركوا وراءهم أسماءً فحسب، بل تركوا أخلاقًا تمشي بين الناس، وقيمًا تتوارثها الأجيال. ومن هؤلاء كان والدنا الحاج موسى عبد الله بوخمسين، رجلًا لم يكن طيبُ المعشر عنده خُلُقًا عابرًا، ولا الخدمةُ الاجتماعية واجبًا مؤقتًا، وإنما كانتا جوهر شخصيته، وأسلوب حياته، والرسالة التي عاش من أجلها.

ولعل المتأمل في سيرته يدرك أن بدايات الإنسان كثيرًا ما تصنع أعظم ملامح شخصيته. فقد نشأ يتيمًا، وتحمّل مسؤوليات الحياة في سنٍّ مبكرة، وتزوج شابًا قبل أن تكتمل سنوات الشباب في عمره. غير أن اليتم، الذي قد يورث القسوة في نفوس البعض، أنبت في قلبه رحمةً استثنائية، وأيقظ فيه إحساسًا عميقًا بالآخرين، حتى غدا الحنان سجيّةً لا تكلف فيها، والرحمة لغةً يتعامل بها مع كل من عرفه.

وكانت رحلة الكفاح العملي جزءًا أصيلًا من شخصيته. فقد امتهن خياطة البشت الحساوي، وهي من أعرق المهن التراثية في الأحساء وأكثرها دقةً وإتقانًا، وأخلص لها إخلاصًا نادرًا، حتى أصبح من أصحاب الخبرة المشهود لهم في هذا المجال. وتنقل بسبب هذه المهنة بين عددٍ من الدول العربية والأجنبية، يحمل معه مهارته، ويعكس بأخلاقه قبل حرفته صورة الحرفي الأمين الذي لا يرضى إلا بالإتقان. وكان يقضي الساعات الطويلة ممسكًا بالإبرة والخيط، حتى أصبحت أصابع يديه تحمل آثار وخز إبر الخياطة، وكأنها أوسمةُ شرفٍ تشهد على سنواتٍ طويلة من الجد والاجتهاد، وتروي قصة رجلٍ أفنى عمره في العمل الشريف، ولم يعرف الكسل إلى حياته سبيلًا.

وكانت والدتنا أول من تجلّى أمامها هذا الوفاء العظيم. فعندما ابتُليت بمرضٍ في عينيها، لم يتعامل مع الأمر بوصفه مسؤوليةً عائلية فحسب، بل جعله قضيةً شخصية، كرّس لها وقته وجهده وراحته. رافقها في أسفار العلاج، متنقلًا بين الهند والبحرين والرياض، باحثًا عن طبيبٍ أكثر خبرة، أو علاجٍ أكثر نفعًا، أو أملٍ يخفف عنها معاناتها. ولم يكن يرى في تلك الرحلات مشقةً، بل كان يعدّها واجبًا يمليه الحب، ويقتضيه الوفاء، ويباركه الضمير.

ولم تكن والدتنا زوجةً صالحةً فحسب، بل كانت شريكة كفاحٍ حقيقية منذ الأيام الأولى لزواجهما. فقد تزوجها والدنا، وكانت هي ابنةَ أسرةٍ ميسورة الحال، نشأت في بيتٍ عرف السعة والرخاء، بيت آية الله الشيخ موسى بوخمسين «المرجع الديني آنذاك»، لكنها آثرت أن تشارك زوجها رحلة البناء بكل رضا ومحبة. فبذلت له من وقتها وجهدها ومالها ما استطاعت، ووقفت إلى جواره في سنوات الكفاح الأولى، تخفف عنه أعباء الحياة، وتشد من أزره كلما اشتدت الظروف، حتى تجاوزا معًا صعوبات البدايات، وأسسا بيتًا قام على المحبة، والوفاء، والتعاون.

وكانت مثالًا للزوجة الصابرة الكريمة، عُرفت بحسن الخلق، ولين الجانب، وكرم النفس، وصدق الإيمان، وحبها للخير، وحرصها على تماسك أسرتها. وكانت تستقبل الناس ببشاشةٍ لا تفارق وجهها، وتمنح أبناءها من الحنان والرعاية ما جعل البيت عامرًا بالمودة والسكينة. وحين أصابها العمى، واجهت ابتلاءها بصبر المؤمنين، ورضا المحتسبين، فلم تسمح للإعاقة أن تُضعف إيمانها، ولا أن تنتقص من عطائها، بل بقيت مصدرًا للأمل، وقدوةً في الثبات، ومثالًا للصبر الجميل الذي ألهم أبناءها وأحفادها معنى الرضا بقضاء الله.

وكانت الأبوة عنده امتدادًا طبيعيًا لذلك الوفاء. فلم يربِّ أبناءه بالكلمات وحدها، وإنما ربّاهم بالمواقف. علّمهم أن الرحمة قوة، وأن المحبة أساس الأسرة، وأن الإنسان لا يكبر إلا بقدر ما يمنح غيره من خير. وهكذا تشكلت داخل الأسرة بيئة يسودها التراحم والتكافل، وانتقلت تلك القيم إلى الأبناء، ثم إلى زوجاتهم، ثم إلى الأحفاد، حتى غدت جزءًا من هوية العائلة، وإرثًا أخلاقيًا يتناقله الجميع.

وكانت بساطة تعبيره عن الحب من أجمل ما يميزه. فما إن يحل موسم الخير في الأحساء حتى يحمل لأبنائه شيئًا من ثمار أرضها المباركة، تمرًا، ورطبًا، وليمونًا، وبامية، وبابايا، ثم يطرق أبوابهم واحدًا بعد آخر، وكأن تلك الهدايا تحمل معها رسالةً أعمق من قيمتها المادية: أن الأب حاضر، وأن القلب الذي أحب أبناءه لا يعرف الانقطاع مهما تفرقت بهم البيوت والمسافات.

ولم يكن بيته حدود رسالته، بل كان المجتمع ميدانه الأوسع. فعلى مدى يزيد على خمسةٍ وعشرين عامًا، تولّى وكالة أعمال سماحة العلامة الشيخ باقر أبو خمسين، قاضي الأوقاف والمواريث في الأحساء، مؤديًا هذه المسؤولية بأمانةٍ وإخلاص، حتى أصبح موضع ثقة الجميع. وكان يمثله في المناسبات الرسمية والاجتماعية، ويجوب المجالس حاملًا روح الإصلاح، فيسعى إلى رأب الصدع، وجمع الكلمة، وتقريب القلوب، مؤمنًا بأن أعظم الأعمال ما أصلح بين الناس.

ولم تكن مكانته الاجتماعية نابعةً من جاهٍ أو منصب، بل من تواضعٍ راسخ، وصدقٍ في التعامل، وحرصٍ على خدمة الآخرين دون انتظار مقابل. ولذلك لم يكن الناس يذكرونه إلا مقرونًا بالخير، ولا يستحضرون اسمه إلا وقد سبقته الدعوات الصادقة والثناء الجميل.

ومن الصفات التي استوقفت كل من عرفه عزيمته التي لا تلين. فعلى الرغم من المرض وتقدم العمر، ظل يرفض الاستسلام للخمول، ويعد الحركة جزءًا من الحياة، والقيام بالواجبات الاجتماعية مسؤوليةً لا تسقطها الظروف. كان يزور، ويصل، ويتابع، ويطمئن، وكأنه يريد أن يقول إن قيمة الإنسان فيما يقدمه للناس، لا فيما يحتفظ به لنفسه.

وتبقى بعض الذكريات الصغيرة أكبر من أن تُنسى، لأنها تختصر شخصية الإنسان كلها.

ومن تلك الذكريات زيارته لابنه في لندن في أبريل عام 1994، عند قدوم حفيده ”موسى“. لم يأتِ زائرًا فحسب، بل جاء أبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حمل معه احتياجات المولود، وجهّز مستلزمات البيت، وأحضر الطعام، وشارك الأسرة تفاصيل تلك الأيام، حتى أصبحت تلك الزيارة صورةً خالدة لمعنى الأبوة التي لا تحدّها المسافات، ولا تغيرها الغربة.

إن من ينظر إلى حياته يكتشف أن الحنان لم يكن مجرد صفة شخصية، بل كان مشروعًا تربويًا ترك أثره في الأبناء والأحفاد، وأن الخدمة الاجتماعية لم تكن نشاطًا جانبيًا، بل رسالةً آمن بها وأخلص لها حتى آخر أيامه. كما يكتشف أن العمل عنده لم يكن وسيلةً للرزق وحده، بل قيمةً أخلاقيةً، ورسالةً يؤديها بإتقان، حتى تركت سنوات المهنة آثارها على يديه، وبقيت شاهدةً على إخلاصه وصبره واجتهاده.

وقد جمع بين دفء الأسرة، وحكمة المجتمع، وصفاء القلب، وقوة الإرادة، فاستحق أن يكون قدوةً في بيته، ورجلًا يُشار إليه بالبنان في محيطه الاجتماعي.

وهكذا تبقى سيرته شاهدًا على أن الإنسان لا يُخلَّد بما يجمع من متاع الدنيا، وإنما بما يغرسه في قلوب الناس من محبة، وما يتركه في حياتهم من أثرٍ كريم. وسيظل الوالد حاضرًا في ذاكرة أبنائه وأحفاده وكل من عرفه، ليس لأنه عاش عمرًا طويلًا، بل لأنه ملأ ذلك العمر بالخير، والوفاء، والرحمة، وخدمة الناس، والعمل الشريف، حتى أصبح اسمه مرادفًا للطيبة، وأصبحت سيرته درسًا خالدًا في معنى الإنسانية.

وإذا كان هذا الأب العظيم قد ترك لأبنائه ميراثًا من القيم والمواقف، فإن والدتنا كانت الشريك الذي حفظ ذلك الميراث، ورعاه، وغرسه في النفوس. فاجتمع في حياتهما الصبر مع الوفاء، والكفاح مع المحبة، والإيمان مع الرضا، ليقدما لأبنائهما وأحفادهما نموذجًا نادرًا لأسرةٍ بُنيت على التضحية، وأثمرت خيرًا امتد أثره إلى كل من عرفها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
المختار بوخمسين
[ الدمام ]: 25 / 7 / 2026م - 4:32 م
بورك قلمك ابن العم الأستاذ أمير. الحقيقة أنك أيقظت ذكريات ذاك الرجل العظيم والوالد العزيز.
ذكرتنا بمجالسه وزياراته رحمه الله.
جزاك الله كل خير ورزقنا وإياكم بر الأبناء.

مقال بألف