الحلقة الثانية
زيارة تسع ساعات… من طبيب النفوس إلى سيد الشهداء «2»
حين لامست عجلات الطائرة أرض مشهد، فتحت زينب عينيها، ونظرت من النافذة إلى المدينة التي أحبّتها كثيرًا، واحتفظت فيها بذكرياتٍ جميلة، ثم همست في سرّها:
— الحمد لله الذي وفّقني لزيارتك مرةً أخرى يا سيدي.
خرجا من المطار، وكانت ملامح الارتباك باديةً على وجه حسين. كان ينظر يمنةً ويسرة، ويتفقد هاتفه مرةً بعد أخرى، كأن أمرًا مهمًّا قد غاب عن ذهنه.
لاحظت زينب قلقه، فسألته بهدوء:
— ما بك يا أخي؟ أراك مضطربًا.
تنهد حسين، وقال بشيءٍ من الحرج:
— نسيت أن أحجز فندقًا قبل وصولنا.
ابتسمت زينب، وكانت ابتسامتها هذه المرة مطمئنةً لا يشوبها خوف، ثم قالت:
— وهل تظن أن من دعانا إلى رحابه سيتركنا بلا مأوى؟
نظر إليها حسين، فخفّ شيءٌ من قلقه، لكنه ظل يفكر في أمر السكن، بينما كانت زينب تمضي بخطواتٍ هادئة، كأنها سلّمت تفاصيل الرحلة كلها لصاحب الضيافة.
وقفا لحظةً خارج المطار، وما هي إلا دقائق حتى اقترب منهما شاب، وبدأ يتحدث إليهما باللغة الفارسية. لم يفهم حسين معظم كلماته، لكنه أدرك من إشاراته أنه سائق سيارة أجرة.
قال حسين:
— نعم، نحتاج إلى سيارة.
ابتسم الشاب، وأشار إليهما أن يتفضلا.
ركبا السيارة، وحين جلس حسين إلى جوار السائق، حاول أن يختصر حاجته بكلمةٍ واحدة:
— فندق.
التفت السائق إليه مبتسمًا، وقال بعربيةٍ بسيطة:
— نعم، أعرف... سنذهب مباشرةً إلى الفندق، وسيعجبكم.
نظر حسين إلى زينب، فوجد على وجهها ابتسامةً صغيرة، وكأنها تقول له من غير كلام:
— ألم أقل لك إن صاحب الدعوة لن يتركنا؟
انطلقت السيارة في شوارع مشهد، وكانت زينب تراقب المدينة من خلف الزجاج، تبحث بعينيها عن أول إشارةٍ تقودها إلى الحرم. وكلما اقتربت السيارة من قلب المدينة، ازداد خفقان قلبها، وشعرت أن التعب الذي رافقها طويلًا بدأ يتراجع أمام شوقها.
وبعد نحو نصف ساعة، توقفت السيارة أمام فندقٍ هادئ قريب من الحرم.
ساعدهما الشاب في إنزال الأمتعة، ثم أخرج بطاقةً صغيرة، وقدمها إلى حسين قائلًا:
— هذا رقمي... اتصلوا بي في أي وقت. أنا في خدمتكم.
شكره حسين بحرارة، ثم نظر إلى زينب وقال:
— كأن كل شيءٍ قد تهيأ لنا قبل أن نصل.
أجابته زينب بصوتٍ يفيض يقينًا:
— لأننا ضيوف الإمام الرؤوف.
دخلا الفندق، وما إن استقرت زينب في الغرفة حتى أسندت رأسها إلى الوسادة. بدا التعب واضحًا على ملامحها، لكنها كانت تحمل في داخلها راحةً لم تعرفها منذ زمن.
أغمضت عينيها، ولم تمضِ دقائق حتى استسلمت لنومٍ عميق.
جلس حسين قريبًا منها، يتأمل وجهها الشاحب، ويراقب أنفاسها الهادئة. كان الخوف لا يزال يسكن قلبه، لكنه حاول أن يكسوه بالدعاء.
رفع بصره إلى السماء، وقال في نفسه:
— اللهم ألبسها ثوب العافية، واشملها بلطفك، فنحن في ضيافة الإمام الرضا
.
ظل إلى جوارها حتى غلبه النعاس، بينما كانت زينب تنام كطفلةٍ ألقت تعبها عند بابٍ آمن.
في صباح اليوم التالي، استيقظت زينب، وقد بدت على وجهها ملامح راحةٍ جديدة.
وبعد أن تناولا وجبة الإفطار، قال حسين مبتسمًا:
— لقد نمتِ نومًا عميقًا يا زينب.
أجابته وهي تبتسم:
— منذ زمنٍ طويل لم أنم بهذه الراحة. شعرت كأن أحدًا كان يربّت على قلبي ويقول لي: لا تخافي.
حمد حسين الله، ثم سألها بقلق الأخ:
— هل تشعرين أنك بخير؟ هل تستطيعين الخروج؟
قالت دون تردد:
— نعم... ألن نذهب للزيارة؟
ابتسم حسين وقال:
— بلى، وهذا الوقت مناسب، فالزحام أقل.
نهضت زينب بحماسٍ لم يكن مألوفًا في حالتها، وقالت:
— إذن لنذهب. لقد قطعنا كل هذه المسافة من أجل هذه اللحظة.
خرجا من الفندق، وكلما اقتربا من الحرم الرضوي، كانت خطوات زينب تتباطأ، لا من التعب، بل من هيبة الوصول.
وحين ظهرت القبة الذهبية من بعيد، توقفت فجأة.
رفعت عينيها إليها، وظلت تحدق طويلًا، وكأنها تخشى أن يكون ما تراه حلمًا. ثم وضعت يدها على صدرها، وانهمرت دموعها بصمت.
قال لها حسين:
— ها قد وصلنا يا زينب.
لم تجبه.
كانت تنظر إلى القبة، وفي قلبها حديثٌ طويل لا يسمعه إلا الإمام.
وما إن وطئت قدماها أرض الحرم الرضوي حتى شعرت بشيءٍ عجيب يسري في جسدها؛ راحةٌ تبدأ من قدميها، وتصعد ببطء إلى قلبها، ثم تنتشر في كل أعضائها.
توقفت لحظات، وأغمضت عينيها، كأنها تستقبل نسمةً من الرحمة.
سألها حسين بقلق:
— هل أنت بخير؟
فتحت عينيها، وقالت بصوتٍ مملوء بالدهشة:
— أشعر براحةٍ لا أستطيع وصفها... كأن تعب السنين قد انزاح عن صدري.
واصلا سيرهما حتى وقفا في رحاب الحرم.
تأملت زينب القبة الرضوية، وانهمرت دموعها من جديد. لم تكن دموع مرضٍ هذه المرة، بل دموع روحٍ وصلت بعد طول انتظار.
رفعت يديها، وخاطبت الإمام بقلبها قبل لسانها:
— يا علي بن موسى الرضا... جئتك كما أنا، بتعبي وضعفي وخوفي. قالوا إنك طبيب النفوس، وأنا جئتك بقلبٍ أرهقه الألم. فانثر عليّ شيئًا من عافيتك، وألقِ على روحي شيئًا من سكينتك.
اقتربت أكثر، ثم خفضت صوتها وقالت:
— يا إمامي، لم أحمل معي تقريرًا طبيًّا؛ لأنك أعرف بحالي من كل طبيب. أنت تعلم موضع ألمي، وتعرف ما أخفيه عن الناس، وما أعجز عن قوله.
كان الدعاء يتصاعد في الحرم من قلوبٍ شتى؛ هذا يسأل شفاء مريض، وذاك يرجو فرجًا، وثالث يبكي غائبًا، ورابع يهمس بأمنيةٍ خبأها طويلًا.
امتزجت أصوات الدعاء بالدموع، وكانت الأرواح تتجه إلى نافذة الرجاء، كلٌّ يحمل جرحه، وكلٌّ يؤمن أن الإمام يسمعه.
جلست زينب في زاويةٍ قريبة، وفتحت كتاب الزيارة. حاولت أن تقرأ، لكن الكلمات اختلطت بدموعها.
كانت تقرأ سطرًا، ثم تتوقف لتناجي، وترفع يديها، ثم تضعهما على قلبها، كأنها تخشى أن يفيض بما فيه من شوق.
أما حسين، فجلس إلى جوارها يراقبها بصمت، ويرفع دعاءه من أعماقه:
— يا إمام الرأفة، جئتك بأختي، فاجبر خاطرها، وخفف ألمها، ولا تردّنا خائبين.
بقيا في الحرم ساعاتٍ طويلة، يتنقلان بين الزيارة والدعاء والمناجاة. لم يشعرا بمرور الوقت، فقد كان الزمن هناك مختلفًا؛ لحظاته مثقلةً بالسكينة، ودقائقه مغموسةً بالرجاء.
وعندما همّا بالمغادرة، التفتت زينب إلى القبة مرةً أخيرة، وقالت بصوتٍ خافت:
— جئتك متعبةً يا إمامي... وأشعر أنني أخرج الآن بقلبٍ آخر.
ثم مضت إلى جوار أخيها، بينما بقي شيءٌ من روحها معلقًا هناك، عند باب الإمام الرؤوف.













