آخر تحديث: 26 / 7 / 2026م - 1:05 ص

ضوء رحمة في عالم يزداد عتمة

ياسر بوصالح

كثيرًا ما يتصل الإنسان بقريبه ليطمئن عليه، فيسمع جوابًا محفوظًا: «آمرني»، وكأن صلة الرحم لا تُستحق إلا عند الحاجة، بل إن بعضهم إذا قُدِّم له اعتذارٌ قابله بالاستخفاف قائلًا: «وفي أي بنك نصرِف هذا الاعتذار؟»، في إشارة إلى أن ما لا يُقاس بالمال لا وزن له في ميزانهم.

ومع هذا التراجع في الذوق الاجتماعي، تغدو الماديةُ هي الحاكمة في تفاصيل الحياة، حتى كأن الرحمة والتراحم صارا استثناءً بعد أن كانا أصلًا راسخًا في العلاقات الإنسانية، غير أنني علمتُ مصادفةً بما يبدّد هذا الانطباع؛ إذ بلغني أن الأستاذ حسين الشبيب تبرّع لجواد الناصر صاحبِ الستةِ أعوام [1]  تبرعًا خالصًا لوجه الله تعالى، من غير صلة قرابة ولا منفعة تُرتجى، وقد أقدم على هذه الخطوة المباركة بعد مشاورة حرمه المصون وأولاده، فشجّعوه ولم يثبّطوه قيد أنملة، ثم مضى في إجراءات التبرع الحكومية الطويلة والدقيقة التي لا تُجيز العملية إلا بعد التثبّت التام من سلامتها، وكل ذلك بدافعٍ إنسانيٍّ صرف لا تشوبه أي مصلحة.

ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد؛ فالأستاذ حسين الشبيب يدير حسابًا في وسائل التواصل الاجتماعي يحثّ فيه على التبرع بالأعضاء [2] ، ولا سيما الكُلى، ويتلقّى اتصالاتٍ دوليةً يستشيره أصحابها في تبعات العملية وآثارها الصحية، لما لمسوا فيه من صدق التجربة ونقاء الدافع، عندها قلت في نفسي.. حقًّا لا تزال الدنيا بخير؛ فلو غلبت النظرةُ الماديةُ على كل شيء لما بقي أمثال الأستاذ حسين الشبيب، من أصحاب الروح الملائكية الذين يُجيدون تجسيد معنى قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [3] .

وشهادتي في أسرة الشبيب في أمِّ الحمام الحبيبة شهادةٌ مجروحة؛ فهي حقًّا أسرةٌ طيبةٌ نجيبة، فمنها سماحة الشيخان الكريمان الشيخ عبداللطيف الشبيب [4]  والشيخ غازي الشبيب [5]  الغنيّان عن التعريف، والمثقّف الأستاذ كاظم الشبيب [6] ، والمربّي الفاضل الأستاذ بدر الشبيب [7] . بل إن عهد الوفاء والطيب متأصّلٌ وقديمٌ فيها؛ فهذه المرحومة الملاية فهيمة الشبيب خادمة أهل البيت ، وهي على سرير مرضها عام 1396 هـ في مستشفى الظهران، تُرسل وصيتها إلى أبنائها، وبخطٍّ مرتعش، لتتأكّد: هل وفَّيتم ما في ذمّتي للحاج عبدالوهاب البوصالح «والدي» [8] ؟ وذلك في تفصيلٍ مذكورٍ في الرسالة أدناه.

[9] 

وهكذا يتبيّن أن في الناس من لا تغلبه المادية ولا تُطفئ في قلبه نور الإيثار، وأن في هذا العالم - مهما اشتدّت قسوته - نفوسًا كريمة تُعيد إلينا الثقة بالإنسان ومعنى الرحمة، ومثال الأستاذ حسين الشبيب شاهدٌ ناصع على أن الخير لا يزال حيًّا، وأن الإيثار ليس مجرد قيمةٍ تُتلى، بل سلوكٌ يُمارَس وصدق أمير المؤمنين إذ قال «الإيثارُ أفضلُ الإحسان» [10]  وختامًا، أبعث تحيتي إلى الأستاذ حسين الشبيب وإلى أسرة الشبيب النجيبة، داعيًا لهم بالتوفيق والسداد.

 

[1]  https://jehat.net/106540

[2]  https://vt.tiktok.com/ZSXv6MtgS

[3]  سورة الحشر، الآية 9

[4]  https://ar.wikipedia.org/wiki/عبد_اللطيف_الشبيب

[5]  https://www.youtube.com/@ahkaam1

[6]  https://jehat.net/w72

[7]  https://jehat.net/w70

[8]  https://www.tiktok.com/@lamstwafaaa/video/7651779220577815830

[9]  هذه الرسالة أهداني إيّاها المرحوم الشاعر سعيد الشبيب «أبا حمدي»

[10]  غرر الحكم ودرر الكلم ص 290
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 5
1
عبدالله صالح الخزعل
25 / 7 / 2026م - 3:10 م
الأستاذ العزيز ياسر ..
أنت لا تطلّ علينا إلا محمّلًا بضياء الفكر وبهاء العقل .. وكلماتك دائمًا تحمل في طيّاتها عبق الحكمة ودفء الإنسانية. مقالك هذا أشبه بحديقة تتفتح فيها أزهار الخير والوفاء .. وتتناثر بين سطورها قيم الدين وأصالة الأسر الطيبة .. حتى بدا النصّ كأنه مرآة تعكس أجمل ما في المجتمع من عطاء ونقاء.لقد جمعت بين الدعوة إلى الخير .. والإشادة بمن يستحق .. والشكر لمن يُقدّم .. والوفاء لمن يُعطي .. فكان مقالك لوحة متكاملة الألوان .. لا يخلو منها ظلّ ولا يبهت فيها نور.
فلك مني شكرٌ بحجم عطائك .. وتقديرٌ بقدر أفكارك .. واحترامٌ يوازي إحسانك .. إذ جعلت من الكلمة جسرًا يصل القلوب بالعقول .. ومن الفكر منارةً تهدي السائرين في دروب الحياة.
2
المختار بوخمسين
[ الدمام ]: 25 / 7 / 2026م - 4:35 م
رسالة سامية كأصحابها ولك فضل حملها.
بارك الله فيك وفي قلمك عزيزي
3
صالح بن عبدالله السماعيل
[ المبرز - الأحساء ]: 25 / 7 / 2026م - 6:42 م
السلام عليكم ورحمة الله
نماذج كهذه تُعيد الأمل في المجتمع، وتؤكد أن الخير ما زال حاضرًا في النفوس الكريمة. جزاكم الله كل الخير على تسليط الضوء على مثل هذه الأمثلة وجزى الله الأستاذ حسين خير الجزاء، وشفى الطفل شفاءً تامًا عاجلاً بأذن الله
4
حسين الشبيب
[ القطيف - السعودية ]: 25 / 7 / 2026م - 6:58 م
أخي العزيز ياسر البو صالح( ابا عمار ) حفظك الله ورعاك ، كلماتك أكرمتني وأخجلت تواضعي، وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنك ، وأن يجعل ما قمت به خالصًا لوجهه الكريم ، لا أرجو من ورائه إلا رضا الله سبحانه وتعالى .

ما فعلته ليس فضلًا مني ، وإنما هو واجب إنساني تجاه انسان في حاجة ، وقد تعلمنا أن قيمة الإنسان فيما يقدمه لغيره ، وأن أجمل العطاء ما كان بعيدًا عن انتظار المقابل .

وأما ما تفضلت به من ذكر أسرة الشبيب وأهلها الكرام ، فشهادتك أعتز بها كثيرًا ، وهي وسام أضعه على صدري ، وأسأل الله أن يحفظ أهلنا جميعًا ، وأن يرحم من سبقونا ، وأن يوفقنا للسير على خطاهم في الخير والوفاء وخدمة المؤمنين .

وأخصك بالشكر على كلماتك الصادقة التي كان لها أثر كبير في نفسي ، وأسأل الله أن يكتب لك أجر كل كلمة طيبة ، وأن يجعلنا وإياكم ممن قال فيهم سبحانه:
?وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ?.

محبكم وأخوكم
حسين الشبيب
5
احمد صالح الغدير
[ السعوديه سيهات ]: 25 / 7 / 2026م - 7:27 م
صحيح وابصم لك بالعشره وقد اصبت عين الحقيقه فقد لمسناه في بعض الاقرباء فبدل ماكان سابقاً من حفاوة الرد على الاتصال بالترحيب والتمجيد نرى هذا الايام ان الرد يكون بارد وتشعر انه ممزوج بالعجله لانهاء الاتصال وكانك مثل ما قلت يااستاذ ياسر تريد منه شيئا واما ضربك في العطاء فكان اروع مايكون من مثال الا وهو الايثار