آخر تحديث: 21 / 7 / 2026م - 7:47 م

وللفراشة حديث آخر

عبد الباري الدخيل *

"‏أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ"

درويش

ابتسمت وأنا أقرأ للبروفيسور حيدر اللواتي: ”إن الحياة في كثير من جوانبها تشبه النظم المعقدة، وفي هذه النظم فإن تغييرًا بسيطًا في المتغيرات الأولية ينتج نتائج مختلفة تمامًا. رفرة جناح الفراشة ربما تسبب اعصارًا“.

تعودت أن أبتسم كلما أسمع هذه العبارة «أثر الفراشة»، أعدّها من المبالغات التي تناسب الشعر.. لكنني، في ليلة واحدة، اكتشفت أن الحياة تسير على هذا النحو؛ تفصيل صغير قد يغير مجرى حياة بأكملها.

أعمل في إحدى منصات البترول البحرية في الخليج، تلك المدن الحديدية العائمة فوق الماء، التي تبدو للناظر هياكل حديدية ضخمة فوق البحر لاستخراج النفط والغاز من أعماق الأرض، لكنني كنت أراها كائنات صلبة تتحدى الطقس والتضاريس.

وظيفتي مساعد حفار، أساعد في إدارة فرق العمل، وأنسق عمليات سحب الأنابيب وإنزالها، وأراقب حركة العمّال الذين تتوزع أعمارهم بين أحلام الشباب وحنين الآباء إلى بيوتهم وساكنيها.

نعمل أسبوعين متواصلين، ثم نحصل على أسبوعين من الإجازة. أربعة عشر يومًا نقضيها بين هدير الآلات، وأربعة عشر يومًا نستعيد فيها إنسانيتنا بين الأهل والأصدقاء.

كانت إجازتي قد انتهت.. في تلك الليلة رتبت حقيبتي بعناية، وضعت ملابس العمل، وبعض الصور الصغيرة لطفلي علي وزهراء.

ضبطت المنبه على الساعة السادسة صباحًا، فموعد انطلاقي إلى المطار في السابعة، وإقلاع الطائرة في السابعة والنصف.

النوم المبكر قبل أول يوم عمل عادة قديمة ألتزم بها. كنت أؤمن أن الجسد يحتاج إلى هدنة قصيرة قبل أن يعود إلى مواجهة البحر.

أطفأت الأنوار، واستلقيت بهدوء.. لكن الحياة، كما يبدو، لا تحترم الجداول التي نصنعها، فقبل موعد الاستيقاظ بساعتين تقريبًا، شعرت بيد زوجتي تهز كتفي.

قالت بصوت يختلط فيه القلق بالإرهاق:

حسن… استيقظ، درجة حرارة زهراء مرتفعة جدًا.

فتحت عيني بصعوبة.

خذي لها خافضًا للحرارة، ستكون بخير إن شاء الله.

سحبت اللحاف إلى وجهي وأنا أكمل: تعلمين أن غدًا أول يوم عمل، ولا أستطيع أن أصل مرهقًا.

سكتت لحظة، ثم قالت بنبرة حاسمة:

لا أريد أن أخاطر.. لن أطمئن إلا إذا أخذناها إلى المستشفى.

نظرت إلى الساعة.

كان عقلي يفكر بالطائرة، وبالمشرف الذي لا يحب التأخير، وبزملائي الذين ينتظرون وصولي.

لكنني رأيت في عيني زوجتي خوفًا لا يجادل.

تنهدت، ونهضت.. حملت طفلتي بين ذراعي. كانت جبينها ساخنة، لكنها حين فتحت عينيها ابتسمت لي ابتسامة واهنة.

بعد الفحوصات أخبرنا الطبيب أن الأمر بسيط، مجرد التهاب خفيف، وأعطانا بعض التعليمات والأدوية.

عدنا إلى المنزل مطمئنين.. بقيت ساعة واحدة فقط على موعد استيقاظي.. قلت في نفسي: لن أنام حقًا، سأستلقي دقائق قليلة فحسب.

رميت جسدي على الكنبة في المجلس، وما إن أغمضت عيني حتى ابتلعني نوم عميق، كأن أسبوعيْن كاملين من الراحة لم يكونا كافيين.

لا أعرف كم مرّ من الوقت، لكنني استيقظت على صوت زوجتي مجددًا، كانت تهزني بعنف هذه المرة.

حسن! ماذا بك؟ الساعة التاسعة!

جلست مذعورًا.

التاسعة؟!

أمسكت هاتفي بسرعة.

كانت الساعة التاسعة صباحًا فعلًا.. ثم اكتشفت الكارثة الأكبر، لقد ضبطت المنبه على السادسة مساءً بدل السادسة صباحًا.

شعرت بأن الأرض تتحرك تحت قدمي، اتصلت بزميلي الأول، سمعت رسالة تقول: لا يمكن الاتصال به، اتصلت بآخر، مثله، وثالث كذلك.

همست: لابد أنهم في الطائرة وقد أغلقوا هواتفهم.

جلست صامتًا، الغضب، والخيبة، والخجل، كلها كانت تتصارع داخلي: كيف يمكن لرجل اعتاد الانضباط طوال سنوات أن يرتكب خطأً بهذه السذاجة؟

كتبت رسالة طويلة إلى مديري أعتذر فيها عن غيابي، موضحًا أن ابنتي كانت مريضة واضطررت إلى مرافقتها للمستشفى، ولم أذكر خطأي في ضبط المنبه خجلًا منه.

أرسلت الرسالة، ثم استسلمت. قلت لنفسي: ما حدث قد حدث، ولا سبيل لتغييره.

عدت إلى الكنبة، وأغمضت عيني، لكن النوم هذه المرة كان ثقيلًا، مليئًا باللوم والأسئلة.

وفجأة، سمعت خطوات مسرعة، فتحت عيني.

كانت زوجتي تقف عند الباب، ووجهها شاحب على نحو لم أره من قبل، قالت بصوت مرتجف:

حسن… هناك خبر سيئ.

اعتدلت في جلستي.

خير إن شاء الله.

سكتت لحظة، ثم قالت:

الطائرة التي كنت ستستقلها… سقطت.

لم أفهم، أو ربما رفض عقلي أن يفهم.

أكملت وهي تبكي:

جميع من كانوا عليها استشهدوا.

ساد الصمت.. صمت هائل، أكبر من البحر الذي أعمل فوقه.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أبتسم كلما سمعت عبارة «أثر الفراشة».. بل أتذكر وجوه رفاق العمل واترحم بحزن على أرواحهم الطهرة، وأحلامهم التي بعثرها البحر.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
المختار بوخمسين
[ الدمام ]: 20 / 7 / 2026م - 2:39 م
رحم الله شهداء الوطن رحمة الأبرار.
نقلت المشاعر بكل ثقله المعنوي والنفسي. آجرك الله أجر المحسنين.