السياسي الذي بداخلك كذّاب!
أتذكر بالضبط اللحظة التي قررت فيها أن أصبح محللًا سياسيًا. كانت الساعة السابعة وأربعًا وعشرين دقيقة صباحًا، أنا وتقطير الـ V60 وهاتفي في لحظة وُد حميمة قبل مواجهة يوم العمل، حين مرّ أمامي فيديو مدته خمس عشرة ثانية يشرح فيه شخص ما، لا أعرف اسمه ولا أين تخرّج، الأزمةَ الجيوسياسية في بلدٍ لم أزره ولا أعرف عاصمته بثقة كاملة. أغلقت الفيديو وأنا أحمل رأيًا حاسمًا، وخطة بديلة للسياسة الخارجية، واستعدادًا تامًا للتباحث مع مجلس الأمن إن طُلب مني. كل ذلك قبل أن أنهي إعداد قهوتي.
والمثير أن هذا «التخصص» المفاجئ لا يكلف تدريبًا ولا دراسة ولا حتى بحثًا سريعًا في ويكيبيديا. يكفي تعليق غاضب أو لقطة شاشة يُجهل مصدرها الأصلي، لأتحوّل فورًا إلى نسخة حيّة من ذلك المحلل العجوز الذي يجلس في البرامج الحوارية المتأخرة، يضع إصبعه على الطاولة ويقول: «الصورة الكاملة تقول غير ذلك»، بينما هو يعرف من الصورة الكاملة ما أعرفه أنا تمامًا. الفرق الوحيد بيني وبينه أن عنده ربطة عنق تضفي مصداقية على تحليله، وأنا عندي بيجامة تضفي راحة على جهلي.
تذكرت أبي وهو يفتح ويشاهد جميع المحطات الإخبارية، يقرأ الخبر، ثم التحليل، ثم يصمت قليلًا قبل أن يُبدي رأيه، كأنه يخوض مفاوضات داخلية مع نفسه قبل أن يسمح لها بالكلام. كان يمضي في ذلك ربع ساعة كاملة أحيانًا لتكوين رأي واحد. أما أنا اليوم فأكوّن رأيي النهائي في الوقت الذي يستغرقه التمرير من تغريدة لتغريدة، وأمضي لأبني رأيًا جديدًا أكثر حسمًا من الذي قبله، وكأنني أبدّل القمصان لا القناعات، وكأن كل رأي جديد يأتي بتخفيضات الصفقة اليومية.
والأطرف أننا صرنا نتسابق على من يصل إلى الرأي الأحدّ أولًا، كأنه ماراثون للتعليقات، يفوز فيه صاحب أسرع تشخيص لأعقد الأزمات، ومن يتأخر ويفكر قبل أن يكتب فهو «بطيء» و«ما عنده موقف». فتتحول القضايا الدولية الكبرى إلى منصة استعراض، نثبت فيها لمتابعينا أننا «على دراية»، بينما الدراية الحقيقية تحتاج وقتًا أطول من عمر قصة «ستوري»، ثم تختفي.
والحقيقة أن عندي فضولًا حقيقيًا لفهم العالم من حولي، وهذا شيء أقدّره في نفسي، لكن يبدو أني استبدلت الفضول الحقيقي الذي يسأل ويتحقق ويقرأ، بنسخة مريحة منه تتمثل في متابعة من يسأل ويتحقق ويقرأ، ثم أتبنى رأيه في ثوانٍ وكأنه رأيي، تمامًا كما أتابع برامج الطبخ بشغف ثم أطلب توصيل.
ربما الحل ليس في إغلاق التطبيقات والاعتزال في كهف، فهذا أيضًا حل لمن يمتلك صبرًا أكثر مني، بل في عادة صغيرة: أن أقرأ الخبر من مصدرين قبل أن أُعلّق، وأن أسمح لنفسي بقول: «ما عندي رأي في هذا بعد» دون أن أشعر بالنقص، وأن أتذكر أن أبي كان يصمت ربع ساعة قبل رأي واحد، وأن هذا الصمت لم يكن ضعفًا، بل كان الجزء الأهم من الرأي.
في النهاية، الأمم المتحدة لم تتواصل معي حتى اللحظة، ومكتب وزير الخارجية لم يردّ على رسائلي، لكني قررت ألّا أيأس، وأن أعوّض ذلك بأن أكون على الأقل مستمعًا أفضل قبل أن أكون محللًا أسرع. وحتى ذلك اليوم، سأترك مقعد وزير الخارجية شاغرًا، وأكتفي بإدارة شؤون فنجان قهوتي، وهي مهمة كافية بحد ذاتها.













