آخر تحديث: 19 / 7 / 2026م - 2:43 ص

حين اطمأنت النفس «4»

على عتبة الانكسار يولد الثبات

الهزيمة الناتجة واللاحقة بالإنسان في مواجهة أي أزمة عاصفة أو إخفاق في تحقيق هدف معين مرجعيتها لا تتعلّق بالمشكلة ذاتها، بل هي نتاج روح اليأس والإرادة المتهرّية وانبعاث التردد والحيرة بسبب التشتت الفكري الذي يصاحبه حينها، وإلا فإن حلول الشدائد في فناء الناس تتباين فيه المواقف والتعامل، فهناك من يتحمل المسئولية ويعمل على البحث عن مخارج وحلول ممكنة، ويواصل طريقه بعد النهوض مجددا دون أن تساوره الشكوك والتشاؤم من المستقبل.

وإذا ما نظرنا إلى علاقة الإنسان بالله تعالى والقرب منه والتزام خط الطاعة والخوف منه عز وجل، نجد أن بعض الأزمات والظروف الحياتية الصعبة قد تكون مفتاحا للمراجعة الذاتية والعودة إلى القرب من الرحمة والمغفرة الإلهية، كما أن التعامل بسذاجة أو غفلة أو تخلٍّ عن المسئولية واستهتار قد ينتهي ويتلاشى بسبب أن الفرد أصبح أكثر وعيا بالحياة ومتطلباتها وعوامل الاقتدار والمُكنة فيها، بسبب محنة اعتصرته آلامها ولكنه استعاد رشده وبصيرته وإدراكه بمجريات الأمور والدور الوظيفي المناط به بحسب مكانته اللائقة بشأنه، كما أن تلك الأزمات يخرج منها الإنسان الواعي بمجموعة من الدروس وأهمها التحلي بالصبر على المتاعب والتمسّك المستمر بخيط الأمل وانفراج الأمور المستعصية، ويمكن لتلك المِحن أن تفرز وضعية واتجاها مخالفا تماما للنضج العقلي، فقد يتحوّل أصحاب الإرادات الضعيفة إلى شخص يائس ساخط فقد معنى وجوده واستسلم للصعوبات ولا يبدي أي حِراك أو عمل لمعالجة ما يمرّ به من مصائب، والفرق بين الاثنين ليس في حجم المصيبة أو تشعباتها وتعقيداتها أو ظروفها الزمنية، بل يكمن التباين والتمايز في طريقة النظر إليها بعين إيجابية فاعلة أو سلبية يائسة.

ولقد كان الإمام السجاد في منهجيته وسيرته ومواقفه يعلم الأمة أن المؤمن لا يقيس الأحداث بظاهرها وما هي عليه من تأثير وظلال ثقيلة، وإنما ينظر إلى ما يمكن أن تولّده في داخله من قيم ومكتسبات يستفيدها ويقتنصها ويضيفها إلى رصيده الاقتداري، فكل ألم قد يصبح بابا للصبر والهمة العالية والمعالجة الممكنة لظروف لم تأسره ولم تمنع تقدّمه نحو خطوات مستقبلية، وكل خسارة قد تفتح بابا معرفيا نحو انكشاف الحقائق واستبدال القناعات ووجهات النظر والاتجاهات، فقد تكون تلك الدمعة حسرة وندما على ما قدّم في الماضي من معصية أو تقصير - مثلا -، بابا يقرّب قلبه من خالقه ويضع رجليه على سكة الاستقامة والثبات، ولذا فإن البلاء ليس نهاية الطريق بل قد يكون بداية التحول الحقيقي نحو التكامل والتحلي بالفضائل، فكثير من الشخصيات العظيمة لم تصنعها أوقات الراحة والدِّعة وإنما صنعتها ساعات الشدة والابتلاء؛ لأن الأزمات تكشف المعادن الأصلية المدفونة تحت تراب الغفلة والجهالة، وتبدأ بعد محنة أو موقف صعب في التجلّي والظهور والتحرر من أغلال العادات والسلوكيات السلبية، فتتحرّر عنده الطاقات الكامنة ويعيد ترتيب أوراقه وحساباته وأولوياته، فإن المحطات الصعبة والأزمات تدفع الإنسان الواعي المستوعب لدروس الابتلاء والاختبار نحو مراجعة نفسه وتصحيح مساره.