آخر تحديث: 18 / 7 / 2026م - 10:00 م

الكثير منا يضحك عندما يقال ”هذا الشخص فيلسوف“

رائد بن محمد آل شهاب

الكثير منا يضحك عندما يقال: «هذا الشخص فيلسوف»، ولكن عندما قرأت جملته في كتاب: «تعبٌ كلُّها الحياةُ، فما عجبٌ إلا من راغبٍ في ازديادٍ. إن حزنًا في ساعة الموت أضعافُ سرورٍ في ساعة الميلاد.»، أخذني ذلك إلى تأملات في الموت والحياة.

إن التحول الفكري الذي يطرأ فجأة في حياة قلة من الأفراد، هو تحول جذري، ينقلهم من نظام التفكير التلقائي النسقي إلى نظام التفكير الفلسفي بكل ما يعنيه من توقد وانفتاح وانفصال عن السائد. إنه نوع من الإفاقة العقلية المتأججة؛ نجد ذلك في حياة ديكارت بعد نقاشه مع إسحاق بكمان، كما نجده في حياة كانط والزلزال الفكري الذي انتابه بعد أن قرأ فلسفة هيوم، كما نجد التحول الجذري ذاته لفخته حين قرأ فلسفة كانط، حيث كتب يقول: الثورة التي أحدثها في كياني وفي طريقتي في التفكير، كل هذا أمر يتجاوز كل تعبير. ويؤكد: لقد وجدت الآن الراحة والمتعة لنفسي، ووجدت الطريق الحقيقي الذي علي أن أسلكه. لقد أسلمت نفسي كلها لدراسة فلسفة كانط. ويضيف: إني أعيش في عالم جديد منذ أن قرأت «نقد العقل العملي». إن الأمور التي كانت تبدو غير قابلة للإنكار قد أصبحت الآن منكرة، والأمور التي كنت أؤمن بها قد بدت لي أنها كانت بغير دليل، بينما اتضحت لي المعاني الكبرى. ونجد التحول نفسه يجتاح نيتشه بقراءته لكتاب «العالم إرادةً وتمثلًا» لشوبنهاور. ولو تتبعنا حياة عظماء الفكر خلال التاريخ لوجدنا الظاهرة تتكرر. أما الذين يضطرون إلى قراءة الكتب الفلسفية كمقررات تعليمية، فمن النادر أن تترك فيهم أثرًا إيجابيًا، إلا إذا كان أثر التأفف والنفور…

إن الفلسفة ليست معلومات تُستظهَر، ولا هي فرع علمي من العلوم المختلفة تسهل إجادته، بل إن الفلسفة نقلة نوعية في منهج التفكير، وإعادة ترتيب لمنظومة القيم المعرفية، ولقيم الحياة، ولقيمة الإنسان. إن الفلسفة قطيعة مع التفكير التلقائي، وقطيعة مع اجترار التاريخ، وقطيعة مع التفكير التعليمي الخطي، وقطيعة مع تقديس الأشخاص، وقطيعة مع الانغلاق الثقافي، وقطيعة مع استسهال شأن التحقق المعرفي. إن الفلسفة لا تنظر إلى المعرفة كمعطى ناجز، كما هو شأن الأنساق الثقافية، ولكنها، بالعكس، تنظر إلى المعرفة بوصفها مشكلة عميقة معقدة، ومن هنا جاءت الأهمية التأسيسية «لنظرية المعرفة». إن الفلسفة وثبة من ضفة الامتثال التلقائي النسقي إلى ضفة أخرى تفصل بينهما فجوة واسعة وعميقة. إنها مبارحة لدائرة التكرار النمطي، وهي احتجاج عميق ضد إعادة الماضي والاستمرار في تدويره، وهي قطيعة مع أوهام امتلاك الحقيقة المطلقة، وهي تأسيس لنبش وكشف أوهام الأنساق الثقافية، وهي رج وخلخلة للإيقاظ من توهم المعرفة. إنها نزع للحجب عن المألوف، ليرى العقل النقدي كل ما كان متواريًا خلف ألف حجاب من التعود والتطبع والتآلف والتلقائية.

يظن البعض أن تدريس الفلسفة في أي بلد سيؤدي إلى تغير الوعي العام، وخصوصًا وعي الدارسين. أما الحقيقة، فإن الفلسفة ليست مادةً تعليميةً، فحتى أساتذة الفلسفة أغلبهم ناقلو معلومات فلسفية، وليسوا فلاسفة؛ إنهم متخصصون مهنيًا في مجال الفلسفة. ولن يكون غريبًا أن يكون أستاذ فلسفة، وبتفكير يقيني مضاد للتفكير الفلسفي. فهو يعمل بمجال الفلسفة، وحافظ لمعلومات فلسفية، لكنه قد يكون محرومًا من نظام تفكير مغاير، وربما مضاد للفلسفة.

المصادر:

• كتاب ورقي: مفكر ووطن، الأستاذ. إبراهيم البليهي - من أعلام الوطن، منتدى الثلاثاء الثقافي

• كتاب ورقي: ديوان المراثي، تأملات في الموت والحياة - الأديب والشاعر. تقي محمد البحارنة

• اقتباس لقصيدة شهيرة للشاعر والفيلسوف. أبو العلا المعري