اليقين والطمأنينة في الهدي النبوي
تميّزت السنة النبوية بأنها لا تقدم للإنسان أحكامًا فقهية مجردة فحسب، وإنما تبني شخصيته من الداخل، وتربي وجدانه، وتصنع ضميره، حتى يصبح قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، ولو غابت عنه الرقابة الخارجية. فالغاية الكبرى للإسلام ليست مجرد التزام الإنسان بالأوامر والنواهي، بل أن يصل إلى مرتبة يصبح فيها الخير جزءًا من تكوينه، والحق منهجه، والصدق طبيعته، والورع سلوكه.
ومن أعظم الوصايا النبوية التي تجسد هذا المنهج، ما رواه الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، وهو سبط رسول الله ﷺ، حين سُئل: ما حفظت من رسول الله ﷺ؟ فذكر قاعدة جامعة تصلح لكل زمان ومكان، فقال:
«حفظتُ من رسولِ الله ﷺ: دَعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ، فإنَّ الشرَّ ريبةٌ، وإنَّ الخيرَ طمأنينةٌ.» [1]
وفي رواية: " … فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ.» [2]
إن هذه الكلمات القليلة تختصر منهجًا متكاملًا في صناعة الإنسان المؤمن؛ فهي تعلمه كيف يفكر، وكيف يختار، وكيف يتخذ قراراته، وكيف يحافظ على صفاء قلبه واستقامة ضميره.
يُعد هذا الحديث الشريف من جوامع كلم النبي ﷺ، وهو من النصوص التي تختصر منهجًا متكاملًا في تربية الإنسان، فلا يقتصر على توجيه فقهي يتعلق بترك الشبهات، وإنما يتجاوز ذلك ليضع أساسًا لبناء الشخصية المؤمنة التي تتحرك في حياتها وفق ميزان اليقين والصدق وصفاء الضمير. إنه حديث يخاطب العقل والقلب معًا، ويعلّم الإنسان أن قيمة العمل لا تُقاس بظاهره فحسب، وإنما بما يتركه من أثر في النفس من سكينة أو اضطراب.
ولعل من اللافت أن الإمام الحسن المجتبى
، وهو أول سبطي رسول الله ﷺ، اختار هذا الحديث من بين ما وعاه وحفظه من جده الكريم، مما يدل على عظم مكانته وأهمية معانيه، حتى أصبح قاعدة يرجع إليها المؤمن كلما تردد بين طريقين أو احتار بين خيارين.
تتميز بعض النصوص النبوية بأنها تعالج قضية محددة، بينما تأتي نصوص أخرى لتكون قواعد كلية يمكن تطبيقها في مختلف جوانب الحياة، وهذا الحديث من هذا القبيل. فهو ليس موجهًا إلى التاجر وحده، ولا إلى القاضي أو العالم أو العابد، بل هو خطاب لكل إنسان يعيش مواقف تحتاج إلى الاختيار والتمييز بين ما يطمئن إليه القلب وما يورثه القلق.
فالإنسان يواجه يوميًا عشرات القرارات؛ فقد يُعرض عليه مال لا يعرف مصدره، أو يسمع خبرًا لا يدري مدى صحته، أو يدخل في معاملة يكتنفها الغموض، أو يُطلب منه أن يشهد بما لم يتأكد منه، أو يتردد في قول كلمة يعلم أنها قد تُرضي الناس لكنها لا تُرضي ضميره. في مثل هذه المواقف لا يطالبه النبي ﷺ بالدخول في جدل طويل، وإنما يمنحه ميزانًا بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.»
إنها دعوة إلى اختيار الطريق الواضح، والابتعاد عن كل ما يوقع النفس في الحيرة أو يهدد صفاء العلاقة مع الله تعالى.
الريبة ليست مجرد الشك الذهني، وإنما هي حالة من القلق والانقباض تصيب القلب عندما يشعر الإنسان أن الأمر الذي يقدم عليه ليس واضحًا أو مستقيمًا. ولذلك كان الفرق كبيرًا بين السؤال الذي يقود إلى المعرفة، وبين الريبة التي تزرع الاضطراب في النفس.
وقد يشعر الإنسان أحيانًا أن قلبه غير مرتاح لتصرف معين، رغم أنه لا يجد تفسيرًا مباشرًا لذلك، فيكون هذا الشعور نداءً من الفطرة السليمة التي لم تلوثها الأهواء أو المصالح. ولهذا كان النبي ﷺ يدعو المؤمن إلى أن يتوقف عند هذا الإحساس، وأن لا يتجاهله إذا كان ناشئًا عن تقوى وبصيرة، لا عن وسواس أو مبالغة.
فالريبة هنا ليست دعوة إلى الشك في كل شيء، وإنما هي تحذير من الإقدام على ما لا يطمئن إليه القلب، أو ما تحيط به الشبهات التي قد تقود إلى الوقوع في الحرام.
خلق الله تعالى الإنسان مزودًا بفطرة تهديه إلى الخير وتميل به إلى الحق، قال سبحانه:
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30].
وهذه الفطرة إذا بقيت سليمة كانت تشعر بالراحة عند الصدق والعدل والإحسان، وتنفر من الظلم والكذب والخيانة. ولذلك لم يجعل الإسلام الأحكام قائمة على النصوص وحدها، بل خاطب أيضًا الضمير الحي الذي أودعه الله في الإنسان.
وقد بيّن النبي ﷺ هذا المعنى في حديث آخر حين قال:
«الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس.» [3]
فالقلب المؤمن يمتلك حسًا أخلاقيًا يميّز به بين الخير والشر، لكنه يحتاج إلى أن يبقى متصلًا بالوحي، لأن الفطرة قد تضعف إذا غلبت عليها الشهوات أو اعتادت المعاصي. ومن هنا فإن صوت القلب لا يكون حجة إلا إذا كان منسجمًا مع هدي الله وأحكامه، لا مع الأهواء والوساوس.
قد يتساءل بعض الناس: إذا لم يثبت أن الأمر محرم، فلماذا أتركه؟
والجواب أن الإسلام لا يريد من المؤمن أن يقف دائمًا على حدود المباحات المشتبهة، وإنما يريد له أن يختار ما يحفظ دينه ويصون قلبه. فالذي يكثر من الاقتراب من مواطن الشبهات قد يجد نفسه مع مرور الوقت داخل دائرة المحرمات، لأن النفس تعتاد التنازل التدريجي، والشيطان لا يبدأ بدعوة الإنسان إلى الكبائر، بل يجرّه إليها خطوة بعد خطوة.
ولهذا قال تعالى:
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ [البقرة: 168].
فالتعبير القرآني ب«الخطوات» يكشف أن الانحراف غالبًا ما يبدأ بأمور صغيرة يستهين بها الإنسان، ثم تتراكم حتى تبتعد به عن الطريق المستقيم. ومن هنا كان ترك المشتبهات حماية للنفس، لا تضييقًا عليها.
بعد أن أمر النبي ﷺ بترك ما يورث الريبة، بيّن السبب فقال:
«وإنَّ الخير طمأنينة.»
يقابل الريبة الطمأنينة، وهي السكينة التي يشعر بها الإنسان عندما يكون على الحق.
فالخير لا يمنح الإنسان راحةً مادية فقط، وإنما يمنحه سلامًا داخليًا لا يقدَّر بثمن.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ? أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ .
والطمأنينة ليست مرتبطة بالغنى أو الصحة أو المنصب؛ فكثير من الناس يملكون الأموال والمكانة، لكنهم يعيشون في قلق دائم، لأنهم فقدوا راحة الضمير.
وفي المقابل قد يعيش المؤمن حياة بسيطة، لكنه يشعر بسكينة عظيمة لأنه يعلم أنه لم يظلم أحدًا، ولم يخن أمانة، ولم يأكل حقًا لغيره.
ولهذا جعل النبي ﷺ الطمأنينة علامة الخير، لأن الخير ينسجم مع الفطرة، أما الشر فيصطدم بها.
إذا تحول هذا الحديث إلى سلوك دائم، نشأ في النفس خلق عظيم هو الورع. والورع ليس تحريم المباحات، ولا التشدد الذي يخرج عن حدود الاعتدال، وإنما هو أن يبتعد الإنسان عما يخشى أن يوقعه في الحرام أو يلوث قلبه بالشبهات.
وقد كان أهل البيت
يربّون أصحابهم على هذا الخلق، لأنه يحفظ الدين قبل أن يقع الإنسان في الخطأ.
وروي عن الإمام الصادق
:
«من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم.» [4]
فالورع هو سياج يحمي الإيمان، ويجعل المؤمن يقدّم سلامة دينه على أي مصلحة عابرة.
في الورع: روي عن رسول الله ﷺ:
«من ترك الشبهات نجا من المحرمات.» [5]
وقد جسّد أهل البيت
هذا المبدأ في حياتهم العملية، فلم يكونوا يكتفون بالابتعاد عن الحرام، بل كانوا يتركون ما قد يوقع في الشبهة أو يضعف صفاء القلب. وكانوا يرون أن نقاء الضمير رأس مال المؤمن، وأن خسارة الدنيا أهون من خسارة راحة القلب ورضا الله تعالى.
فلم يكن الورع عندهم انزواءً عن الحياة، وإنما كان وعيًا يجعل الإنسان يعيش في الدنيا وهو يحفظ دينه وكرامته.
كيف يبني حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» الضمير؟
لا يقول النبي ﷺ: دع الحرام إلى الحلال، مع أن ذلك صحيح، وإنما يقول:
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.»
وهذا التعبير يلفت النظر إلى أمر أعمق من مجرد معرفة الأحكام، وهو حساسية الضمير.
فالريبة ليست حكمًا فقهيًا فحسب، بل هي ذلك الشعور الداخلي الذي يوقظ القلب عندما يقف الإنسان أمام أمرٍ يختلط فيه الحق بالباطل، أو يغلب على نفسه التردد وعدم الارتياح. وفي المقابل، فإن الطمأنينة ليست مجرد راحة نفسية عابرة، وإنما هي سكون القلب عندما ينسجم الفعل مع الحق والصدق والقيم التي يؤمن بها الإنسان.
وبذلك ينقل النبي ﷺ الإنسان من مرحلة الالتزام الخارجي إلى مرحلة المحاسبة الداخلية؛ فلا ينتظر أن يراه أحد، ولا يبحث دائمًا عن فتوى تبيح له كل تصرف، وإنما يسأل نفسه أولًا: هل يطمئن قلبي إلى هذا العمل؟ وهل أستطيع أن ألقى الله به دون تردد؟
فالضمير هنا يصبح ميزانًا يسبق الفعل، لا مجرد شعور بالندم بعد وقوعه.
ولهذا كان المؤمن الصادق يراجع نفسه قبل أن يقدم على أي عمل، لأن قلبه أصبح يقظًا، يشعر بأدنى انحراف عن طريق الحق، كما يشعر الجسد السليم بأقل ألم يصيبه.
إن هذا الحديث يربي الإنسان على أن يكون رقيبًا على نفسه، لا محتاجًا دائمًا إلى رقيب من الخارج. فإذا خلا بنفسه لم يخن، وإذا سنحت له فرصة الكذب لم يكذب، وإذا استطاع أن يأخذ ما ليس له لم يأخذه، لأن الضمير أصبح حاضرًا في كل قرار يتخذه.
من المهم أن نفرق بين الريبة التي يدعو الحديث إلى اجتنابها، وبين الوسواس الذي نهى الإسلام عن الاستسلام له. فالريبة المقصودة هي التردد المبني على سبب معتبر أو شبهة حقيقية، أما الوسواس فهو شكوك لا تنتهي، لا تستند إلى دليل، وتجعل الإنسان يعيش في عناء دائم.
ولهذا فإن المسلم لا يجعل هذا الحديث ذريعة للتشدد أو تعطيل مصالحه، وإنما يفهمه في ضوء مقاصد الشريعة، فيترك ما قامت عليه الشبهة، ولا يلتفت إلى الوساوس التي لا أصل لها.
تتجلى عظمة هذا الحديث في أنه صالح لكل زمان ومكان، فهو حاضر في حياة المسلم كل يوم.
تزداد أهمية هذا الحديث في عصر كثرت فيه المغريات، وتشابكت فيه الشبهات، وأصبح الإنسان يواجه يوميًا عشرات القرارات التي تحتاج إلى ميزان أخلاقي.
فعند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يدعونا الحديث إلى التثبت قبل نشر الأخبار، وعدم الانجراف وراء الإشاعات أو المقاطع المضللة.
وفي عالم التجارة، يدعونا إلى ترك المكاسب المشبوهة، وعدم استغلال حاجة الناس أو خداعهم.
وفي الوظائف العامة، يدعو إلى أداء الأمانة، وعدم استغلال النفوذ أو المنصب لتحقيق مصالح شخصية.
وفي العلاقات الاجتماعية، يحث على الابتعاد عن كل ما يسيء إلى السمعة أو يوقع الإنسان في مواطن التهمة.
إن المؤمن قبل أن يقدم على أي عمل يسأل نفسه: هل سأشعر براحة بعد هذا العمل، أم سأبقى أبحث عن المبررات لأقنع نفسي؟
فإذا وجد الطمأنينة مضى، وإذا وجد الريبة توقف حتى يتبين له الحق.
إن هذا الحديث لو تحول إلى ثقافة عامة، لانتشرت الثقة بين الناس، وقلت الخصومات، وضعفت الشائعات، وساد الشعور بالأمان في المجتمع.
عندما يتحول هذا الحديث إلى ثقافة عامة، تتغير صورة المجتمع بأكمله.
فالتاجر يترك الغش لأنه يريده أن ينام مرتاح الضمير.
والموظف يحافظ على الأمانة لأنه يعلم أن الله يراه.
والقاضي يعدل لأنه يخشى الوقوف بين يدي الله.
والكاتب لا ينشر إلا ما يتيقن من صحته.
والطبيب يؤدي رسالته بإخلاص بعيدًا عن المصالح الشخصية.
وهكذا تتحول الطمأنينة من شعور فردي إلى قيمة اجتماعية، ويصبح المجتمع أكثر أمنًا وثقة وتعاونًا.
إن حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشر ريبة، وإن الخير طمأنينة» ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل هو مدرسة متكاملة في تربية النفس، وصناعة الضمير، وبناء الشخصية المؤمنة.
إنه يعلمنا أن القلب المؤمن ليس جهازًا يستقبل الأوامر فحسب، بل هو بوصلة يهديه الله بها إذا صدقت نيته، واستقام على طاعته، وحافظ على صفاء فطرته.
وما أحوج الإنسان في هذا العصر، الذي كثرت فيه المغريات، وتشابكت فيه الشبهات، إلى أن يجعل هذا الحديث رفيقًا له في كل قرار، وميزانًا لكل خطوة، حتى يعيش مطمئن القلب، نقي السريرة ثابت المبادئ، سائرًا على طريق الحق، راجيًا رضا الله تعالى، فإن من آثر الطمأنينة التي يمنحها الحق، عصمه الله من القلق الذي يورثه الباطل، وجعل له من نوره هدايةً في الدنيا، وفوزًا في الآخرة.













