آخر تحديث: 18 / 7 / 2026م - 10:00 م

كيف يعمل اللطف الإلهي خارج نطاق إدراكنا

حمايتك مما لا تراه...! «2»

الدكتور محمد المسعود

مقدمة الجزء الثاني

في الجزء الأول، وقفنا مع الإمام عليٍّ عند تأسيس «الولاية الإلهية» التي تجعل الله متصرِّفًا في شؤوننا، ثم تأمّلنا ستره للقبيح الكامن في نفوسنا، وإقالته للبلاء الفادح بعد نزوله. والآن، في هذا الجزء الثاني والأخير، ننتقل معه إلى أفقٍ أرفع من اللطف الإلهي: حيث يحمينا الله قبل أن نتعثّر، ويدفع عنّا مكروهًا لم نره بعد، بل ويصنع لنا صورةً جميلةً في قلوب الناس لا نستحقّها، لنكتشف في النهاية أنّ حجب الله عنّا ليست حجبًا عن نوره، بل هي نفسها نوره.

الوقاية من العثار: الحماية قبل لحظة السقوط

«وَكَمْ مِنْ عِثارٍ وَقَيْتَهُ» — الوِقايةُ قبل السقوط وقبل أن تنكسر.

العِثارُ: هو السقوط عند التعثّر في المشي؛ أي اللحظة التي:

• تضعف فيها الإرادة،

• ويختلط فيها الوعي،

• ويوشك القلب أن ينقلب أو ينكسر.

هذه اللحظة هي أخطر ما في حياتنا جميعًا؛ لأنّها قد تغيّر مسار العمر كلّه: الغواية التي لا توبة بعدها، أو الذنب الذي يحمل خاتمة العمر. ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا [النحل: 92] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا [النحل: 92]

وقاية الله لك: رحمةٌ سابقةٌ برفع ما يؤذيك..! «وَكَمْ مِنْ عِثارٍ وَقَيْتَهُ، وَكَمْ مِنْ مَكْرُوهٍ دَفَعْتَهُ» تعني أنّ الله حماك من الوقوع قبل التردّي فيه… يستعصي على إدراكك رؤيته، وسيجعلك تذوب خجلًا من كرم الله المستدام عليك، حين تدرك أنّ الألم كان طعام وعيك.. وأنّه كان خير معلّمٍ لك.

هناك دائمًا أسبابٌ قويّةٌ وكثيرةٌ لسقوطك، ولكنّ الله حجبك عنها: إمّا بأن لم يضعك في ظرفها، أو بأن ألقى في قلبك مانعًا، أو بأن أرسل لك ما يقطع سلسلة السقوط.

الدعاء الرطب على لسان رسول الله ﷺ: «إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأعجز عنها»

«رُبَّ ذَنْبٍ مَنَعَكَ اللهُ مِنْهُ، لا لِصَلاحِكَ، بَلْ لِضَعْفِكَ.» أي إنّ بعض المنع ليس لأنّك صالح، بل لأنّك ضعيف لا تتحمّل السقوط. والله بحبّه لك لا يريدك أن تسقط، فربما عجزتَ عن الوقوف مرّة أخرى..!

يوسف قال لله: أنت العاصم الذي يعصمني، ودونك لا أركن إلى شيءٍ من القوّة في نفسي: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ يخبرنا يوسف أنّ الله هو الصارف لكلّ سوءٍ عنّا..! وحتى الفضيلة المكتملة… تظلّ هشّةً ورقيقةً وضئيلة دون الله.

دفع المكروه: الشرّ الذي لم ترَه

«وَكَمْ مِنْ مَكْرُوهٍ دَفَعْتَهُ»

المكروه: إمكان الشرّ قبل تحقّقه وقبل نزوله عليك.

الأصل اللغوي لكلمة المكروه مشتقّ من الجذر «ك ر هـ» الذي يدلّ على: الضيق، وعدم الرغبة، والنفور النفسي أو القلبي من الشيء. يقال:

• كَرِهَ الشيءَ: لم يحبّه، ونفر منه.

• كَرُهَ الشيءُ: صار غير محبوب.

• الكُرْه والكَره: المشقّة والضيق.

الفرق بين المكروه والشرّ

• المكروه: ما تنفر منه النفس، وقد يكون في باطنه خير، وقد لا يكون.

• الشرّ: ما فيه فساد أو ضرر محض.

إن حياتك الحقيقية هي التي لم ترَها بحسك وهي التي تحدّد مصائرك في كلّ يوم، رحمة الله تعالى بنا كالهواء الذي نتنفسه وبه حياتنا ولكننا لا نراه ولا نبصره وهو الذي إذا تباعد عنا للحظة واحدة نتحول إلى كتلة من اللحم الميت..!.

الغزّالي يقول: «لَوْ كُشِفَ لِلْعَبْدِ ما دُفِعَ عَنْهُ مِنَ الشُّرورِ، لَعَلِمَ أَنَّهُ يَعِيشُ فِي بَحْرٍ مِنَ اللُّطْفِ لا يَراهُ.»

جهلك بما لم تره من عطايا الله لك.. لأنّك:

• لا تعلم إلّا ما يحدث لك،

• وحياتك الحقيقية ومصائرك تتكوّن ممّا لم يحدث؛ أو ممّا هو محجوبٌ عنك رؤيته أو بما تعجز عن رؤيته.

ويسمّي ابن عربي هذا: «الفضل السابق»؛ أي الفضل الذي يتقدّم على وجود الشيء، فيمنع وجوده إذا كان شرًّا.

﴿وَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى? أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ سورة البقرة - الآية 216.

الآية تكشف عن سرّ التدبير الإلهي الذي يتجاوز إدراك الإنسان المحدود: ما يكرهه القلب قد يكون بابًا للفتح عليه، وما يحبّه قد يكون سببًا لغلق أبواب النعمة عنه.

وهنا يتجلّى اليقين بحسن تدبير الله، والتسليم، وترك الاعتماد على ظاهر الأشياء، والوقوف عند حكمة الله التي تعمل فيما لا نحيط به لا نستطيعه ولا نقدر عليه..

إنّ ما يدفعه الله عنك هو أعظم عطاياه لك؛ لأنّ العطاء يُرى، أمّا دفع السوء عنك فلا يُرى، ومع ذلك هو الذي يحفظ بنيان حياتك من الانهيار.

ومن جليل النعم وعظيمها..

نشر الثناء الجميل: الصورة الأجمل لك في قلوب الناس

«وَكَمْ مِنْ ثَنَاءٍ جَمِيلٍ لَسْتُ أَهْلًا لَهُ نَشَرْتَهُ»

صناعة الصورة الأجمل لك في قلوب الناس هي من عطايا الله لك. ما يُنسب إليك من فضائل أو علم… الإمام عليٌّ يقول: «لَسْتُ أَهْلًا لَهُ»؛ أي إنّ هذه الصورة أكبر من حقيقتك، وأطهر ممّا أنت عليه.

الله جعلك جميلًا في قلوب الناس. فقوله لله: «نَشَرْتَهُ» يعني أنّ الله هو الذي ألقى في قلوب الناس حسن الظنّ بك، وهو الذي جعل بعض أعمالك تُرى أكبر ممّا هي عليه، جعلك أجمل وأطهر وأنقى وأرفع… ممّا تستحق..!

هذا من تجلّيات اسم «الجميل»؛ حين يُجمِّلك الله في أعين الناس. قال السهروردي رحمه الله: «يُجَمِّلُ اللهُ العَبْدَ بِنُورٍ لَيْسَ فِيهِ، لِيَقُودَهُ إِلَى نُورٍ يَكُونُ فِيهِ.»

هناك دائمًا مسافةٌ فاصلةٌ بين الذات والصورة:

• واقع الذات: الناقصة، المليئة بالقبيح المستور.

• واقع الصورة: الجميلة، المليئة بالثناء المنثور بين الناس.

وهو الذي يراه العارف بحقيقة نفسه، فيرتفع عن تحقّق «الاستحقاق له». إنّ كلّ تواضعٍ في النفس هو يقين صاحبها بضآلتها، وليس نزولًا عن رفعتها.

بهذا نحن مستورون نعيش التجربة الدنيوية:

• بين حجاب الستر،

• وحجاب اللطف،

• وحجاب الوقاية،

• وحجاب الدفع،

• وحجاب الجمال.

كلّ هذه الحجب ليست حجبًا عن الله، بل هي حجبٌ من نور الله؛ أي إنّها من عظيم تجلّيات رحمته الممتدّة.