آخر تحديث: 18 / 7 / 2026م - 10:00 م

تمريرة

رائدة السبع * صحيفة اليوم

ليست الحكاية في التسلّل، بل في التمريرة التي تكشفه، ومع ذلك يظلّ سؤال صغير يتسلّل من خلف المدرجات: هل التسلّل قانون دقيق، أم مرآة لارتباكنا حين نعجز عن تفسير ما يحدث أمامنا؟

نقول إننا لا نفهمه، لكن الحقيقة أقل براءة. نحن نفهمه بالقدر الذي لا يحمّلنا مسؤولية الشرح. نهزّ رؤوسنا بثقة، ونبتسم في اللحظة المناسبة، ثم نتركه يعبر، كما تعبر بعض حقائق الحياة: واضحة بما يكفي لإقلاقنا، وغامضة بما يكفي لنواصل تجاهلها.

في كرة القدم، لا تُقاس التمريرة بجمالها وحده، بل بلحظتها: متى انطلقت، وكيف رأت المساحة قبل أن يراها الجسد، وهل أصابت الزمن أم أخطأته؟

وفي الحياة، لا نقول كل شيء مباشرة. نُمرِّر فكرةً، أو شعورًا، أو اعترافًا مؤجلًا. قد تُقال ”أحبك“ داخل ضحكة عابرة، أو تُخفى في مزحة، كأن القلب يختبر خفة العبارة قبل أن يحتمل ثقلها. نحن لا نخشى الكلمات بقدر ما نخشى توقيتها.

وهنا تنقلب الفكرة: ليست الأخطاء في ما نمرّره، بل في متى نمرّره.

يرى الفيلسوف ميشيل سير أن العطاء لا يُستعاد، بل يُمرَّر. فنحن لا نكافئ والدينا على ما قدّماه، بل نمدّ أثره إلى أبنائنا. ولا نردّ للأساتذة فضلهم، بل نوسّعه فيمن نعلّمهم. هكذا تصبح الحياة سلسلة تمريرات، لا حسابًا يُغلق.

في الملعب، تمريرات قصيرة تحفظ الإيقاع، وأخرى طويلة تغيّر اتجاه اللعب، وثالثة ذكية لا تُرى إلا بعد أن تصنع الفارق. وكذلك الحياة: عطاء مباشر، وآخر مؤجل، وثالث متخفٍ في كلمة عابرة أو صمت محسوب.

لكن ليست كل تمريرة بريئة. تمريرة واحدة في توقيت خاطئ كفيلة بإلغاء أجمل هدف. وفي الحياة أيضًا، قد تسبق اللحظة بخطوة، فتخسر فرصة، أو تقول ما يجب تأجيله، أو تمنح ما لا يُستعاد.

التسلّل ليس خطأً في الفكرة، بل لحظةٌ خانها توقيتها.

ومن هنا، لا تكمن الحكمة في كثرة ما نمرّره، بل في دقة ما نختاره: متى، ولمن، ولماذا.

في النهاية، لا نقاس بما نحتفظ به، بل بما نمرّره. والفرق بين حياة عادية وأخرى تُصنع فيها المعاني هو تمريرة واحدة، في توقيت صحيح.