آخر تحديث: 21 / 7 / 2026م - 11:24 م

كلمات إيل

في نفي المحرقة وتفكيك أقنعة الإغريق

المختار موسى بوخمسين

في الهزيع الأخير من الليل، حِين تخبو سُرُج ممرّات ”الماوسيون“ الكبرى [1] ، ولا يتبقى في هذه القاعة الشاسعة سوى صرير قلمي ورائحة البردي المصنوع في دلتا النهر العظيم، أجدني محاطاً بآلاف اللفائف التي رصّها أصحاب هذا اللسان الرطين. ينظرون إلى العالم من علياء مكاتبهم، ويحسبون أن حيازة الدواوين تمنحهم حق صياغة مصائر البشر، وتملّك حكايات الأوّلين.

لقد عكفتُ أياماً على تفحّص ما خطّته أيدي شعراء الإغريق ومؤرّخيهم عن سيدتنا ”أليسار“ وبنائها لـ «قرت حدشت»، فأصابني عجبٌ خالطه غثيان. إن هؤلاء الأعاجم، الذين يملأون الدنيا ضجيجاً بزعمهم أنهم أصحاب ”المنطق“ وأرباب ”البرهان“، يَسْقُطون عند عتبة التاريخ في فخّ خيالهم المريض. إنهم لا يستطيعون فَقْهَ جلال التأسيس [2]  إلا إذا ألبسوه ثوبَ المأساة، ولا يستوعبون أن تقوم للمشرق قائمةٌ إلا إذا سُفكت في عتباتِها دماءُ كبرياءِ مُلُوكِها.

يزعمون في ألواحِهم المتأخّرة أن الملكةَ البانيةَ، صاحبة العقل التدبيري الذي قهر لججَ المتوسط [3]  وراوغ ملوك ”لوبيا“ [4] ، قد انتهى بها المآل جَزِعةً، مُلْقِيَةً بنفسها في أتون نارٍ أجّجتها بيديها، نحيباً خلفَ رجلٍ عابر زَهِدَ فيها! يا لَرداءة الصنعة، ويا لَخِسّة التدليس!

أولاً: وهنُ المَحَاكَاةِ وعُقْدَةُ المَسْرَحِ

إنني لأدري من أين نُبش هذا الإفك! إنه نابعٌ من عجزهم الفطريّ عن رؤيةِ العقلِ كاملاً في غير مجالسِهم الصاخبةِ. هؤلاء الأعاجمُ لا يرون الوجودَ إلا من خلال ثقوب ”أقنعتهم المسرحيّة“ [5] . فالإنسان عندهم إما طاغيةٌ تحرّكه الشهوة، أو ضحيةٌ يسوقها القدر نحو حتفها لتتحقّق للنظّارة [6]  متعة ”التطهير“ [7]  الواهمة.

وليس بعجيبٍ على هؤلاء القوم أبناء الأرخبيل المتناثر أن ينسجوا هذا العبث. فهم قومٌ نزلوا قيعان الفلسفة ليجادلوا في ”الكلمة“، لكنّهم عجزوا عن إدراك ”المعنى“. طبعهم مسلوبٌ من كل جلالٍ غيبي، فآلهتهم في جبالهم العالية ليست سوى مسوخٍ تتنازع على التفّاح، وتغار، وتسرق، وتزني، وتكيد! فكيف لقومٍ هذا حال آلهتهم، أن يستوعبوا مقام امرأةٍ من سلالة الأنبياء، تترفّع عن نداء الطين لتلبّي نداء السماء؟

لقد حوّلوا سيرة المَهد الشامخ إلى حكاية ممسوخة تناسب مَواسم أعيادهم. لأنهم لا يطيقون رؤية امرأةٍ شرقّيةٍ تسوس الممالك بـ ”الذمّة المؤجلة“ [8]  وتزن العقول بالكلمة الموثّقة. حسِبوا أن هندسة الدول كهندسة أصنامهم التي ملأوا بها الساحات. مظهرٌ من رخامٍ مصقولٍ وأجوف، لا قِبَل له بحمل روح الميثاق، فإذا ما عَجِزوا عن مجاراة الجوهر، عَمَدوا إلى إحراقه في نصوصهم ليتساوى الجميع في الرماد.

ثانياً: نَامُوسُ المِيثَاقِ ضِدَّ زَيْفِ الرَّخَام

إن سياق الحقائق الذي تتبّعناه كابراً عن كابر، وحرفاً بحرف، يَنفي هذه الخديعة بهدوء. صامدٌ كصمود متون كنعان وشامخٌ كشموخ جبال السروات. إن أليشة لم تخرج من ”صور“ هرباً من جور أخيها لتقع في أسر هوىً يُقعدها عن البناء، بل خرجت بحمل الاستخلاف، وسارت على خيطِ حريرٍ ممدودٍ فوق لُججِ الأخطار.

وحين التقت بذلك الأمير الوافد من حواضرهم، لم يكن اللقاء لقاءَ صيدٍ وضحيته، بل كان مقامَ موازنةٍ واختبار. لقد رأت فيه دَعَةَ القصور ومحدودية الأثر، بينما كانت عيناها تشخُصان نحو النجوم وبناء الميثاق الأبقى. التقت به وفارقته بذات الوقار الذي خَطَتْ به العتبة الأولى. فارقته لأن الرياح التي تحرّك سفنها لا تجري في أقنية مزارعه الضيقة.

إن انفصالها عنه لم يكن هجراً يورث الانتحار، بل كان مبلغ التسامي الروحيّ. لقد آثرت سدانة العهد وعمارة الأرض، وتركت له ”مزولته الفضية“ [9]  المهداة، ليقيس بها تقلّبات ظلّه في شواطئ المألوف، ومضت هي لتصنع زماناً جديداً لا يملك ميزانه.

أما النار التي أوقدتها أليشة فلم تُقارَب، بل لم تكن بأي حال محرقةَ انتحارٍ يائسة، بل كانت نارَ البلاغ ومنارةَ العهد. أوقدتها بيمينها لتشقّ عتمة البحر، دليلاً لسفن أهل الميثاق الآتية من مشارق الأرض، وإيذاناً بأن ”القرية الحديثة“ [10]  قد ثبّتت أوتادها، وأن نور الخليل قد أضاء سواحل إفريقيّة. ولكنّ عيون الذين يرقبون من بعيد، أولئك الذين اعتادوا أن يُحرّقوا مدن أعدائهم كفعلهم بطروادة من أجل شهواتهم، لم يبصروا في تلك النار إشارة بقاء، بل توهّموها محرقة فناء. لأن قلوبهم لا تعرف ناراً تضيء، بل تعرف ناراً تأكل وتحرق.

ولم يقف هذا الإفك عند حدود الإغريق، بل تناهى إلى مسامعي في هذا الديوان ما يهذي به الرعاةُ الجددُ، مستوطنو شبه جزيرة الغرب [11] ، يزعمون بألسنتهم الغليظة أن جدّهم الطروادي الهارب قد حطّ رحاله في قرت حدشت، والتقى مليكتنا، فاستمال قلبها ثم تركها رماداً! ويحهم، كيف يستقيم هذا الهذيان، وبين رماد طروادة وحجر الأساس في قرت حدشت تفصل بينهما قرونٌ متطاولة؟ لقد أعيتهم الحيلة في ساحات الوغى [12] ، فعمدوا إلى ليّ أعناق الزمان، ودمجوا الأحقاب دمجاً تلفيقياً، ليصنعوا لأنفسهم شرفاً بمزاحمة سيرة سيدتنا النبوية، وليختلقوا لسيوفهم عداوةً أزليةً تُبرّر أطماعهم في بحرنا.

لذلك، فإنني في هذا الرق، أنحازُ بجرأة قلمي ضدَّ تخرّصات الرواة النَّقَلَة من أهل هذا البلاط. سأثبِّتُ سيرةَ الملكةِ كاملةً غير منقوصة، حُرَّةً، عَاقِلَةً، مُوقِنَةً، طَاهِرَةً، رَائِيَةً، حَازِمَةً، بَانِيَةً، صَامِدَةً كصخر ”رأس الأدار“، لا تملك النيرانُ لجسدها سبيلاً، لأن كَلِمَتها كانت هي الوتد الذي قام عليه صرح ”قرت حدشت“.

ولْيَقُلْ أصحابُ الرخامِ الأجوفِ في مسارحِهم ما يشاؤون، فالتاريخُ كفيلٌ بأن يغسلَ زيفَ الأقنعةِ، وتُبطل الأيّامُ فتنةَ البيانِ المدسوس، ويبقى رقُّنا هذا حارساً للذمةِ الشريفة. [13] 

* سلسلة نصوص أدبية مستوحاة من عوالم روايته القادمة ”كلمات إيل“. السلسلة مبنية على ”تخييل تاريخي ورمزي“ يستنطق الوجدان المشرقي القديم، عبر قراءة سردية لرقوق متخيّلة تُنشر على حلقات، لتقديم رؤية أدبية وفلسفية مغايرة للصراع في العالم القديم.

https://jehat.net/138439

[1]  متحف مكتبة الإسكندرية القديمة

[2]  أي تأسيس مدينة قرت حدشت، ونظام حكمها الفريد.

[3]  جرى منهجنا أن نستبدل أسماء العَلَم الجغرافية بما هو شائع في زماننا. وإلا فإن المخطوط يذكر بحر الروم - المترجم.

[4]  ملوك القبائل البربرية وشيوخها في السواحل الشمالية لإفريقيا.

[5]  المسرح الإغريقي وأقنعته كان ينظر لها بصفتها طقساً دينياً يحاكي موقع الإنسان في الوجود. ولم يكن القناع غطاءً للتخفي، بل كان طقساً لمحو الأنا الفانية وتجلّي ”النموذج الإنساني“. فصار المسرح مرآةً للوجود لا محفلاً لرواية القصص.

[6]  الجمهور الذي يتابع ويناظر المسرح.

[7]  نظرية التطهير في الدراما والمسرح الإغريقي القديم. اعتقد قدماء الإغريق أن الدراما عموماً والتراجيديا خصوصاً لها مفعول تربوي وجداني على نفس المتابع للمسرحية، عُبّر عنه متأخّراً بـ التطهير النفسي.

[8]  أي العقود الآجلة في التجارة وينسب إلى مدينة قرت حدشت - قرطاج هذه البدعة في التجارة العالمية.

[9]  المزولة أداة لقياس زاوية الميل للشمس وتحديد الاتجاهات ومعرفة خطوط العرض خلال النهار. وبيد أن اليونانيين ينسبون اختراع المزولة إليهم، فإن الفينيقيين كان لهم الأسبقية في ”عصا الظل“ أو ”المزولة المحمولة“.

[10]  المعنى الفعلي لمدينة قرت حدشت/قرطاج.

[11]  شبه الجزيرة الإيطالية والروم اللاتينيين

[12]  يشير إلى صراع السرديات بين المدينتين، روما وقرت حدشت «قرطاج» بعد ظهور بوادر الخلاف التي أدت إلى نشوب الحروب البونيقية بينهما، وهي قرابة 120 عاماً من الحروب.

[13]  ينتهي الرقيمُ هنا فجأةً دون التوقيعِ المعهود لـ إيتانس الصغدي، وكأنّ سَورة الحميةَ التي ختم بها مرافعته الشريفة ضدَّ زيف الروم والإغريق قد عجّلت به عن إتمامِ طقوس كِتابته، أو أنَّ عتمة الأيام قد التهمت السطر الأخير من المتن الأصلي. - المترجم!