كلمات إيل
مَقْصِدُ الأَثَرِ فِي عيبة الرقاع الأفلاطونية
بسمِ إيلَ العالِي، كاشفِ الخبايَا ومجرِي المقادِير.
أنَا ”إيتانْس الصّغديّ“، قدْ جعلنِي القدرُ سادناً للرّقوقِ في ماوسيون الإسكندريَّة [1] ، حيثُ تتكدّسُ علومُ الأرضِ، وتحتضرُ الحقيقةُ تحتَ حرابِ السّلطَة، أدوّن لكم ما وقعَ من أمرِ عيبةِ [2] رقاعِ أثينا الأفلاطونية، وكيف كادت تندثر لولا الألطافِ الخفيّة.
هناكَ، بينَ أكداسِ ”مخطوطاتِ الحملاتِ المقدونية“ [3] المصادرَة، وفي غفلةٍ منْ سدنةِ بطليموسَ السّكارَى بالذّهبِ والرّشَا، استرقتُ السّمعَ والنّظرَ. تتبّعتُ خيوطَ المراسلاتِ المطمورةِ للشّهيدِ ”كاليستينِيس“ [4] ، فتكشّفَ لِي طيفُ سرٍّ عظيمٍ كانَ الإغريقُ يدفنونهُ بأظافرهم، سرُّ رحلة ”أفلاطونَ“ شابّاً إلَى مشرق النور.
لمْ أتريّثْ، بعثتُ مكتوباً سرّيّاً مع قوافلِ الأنباطِ إلى شيخنا القطبِ العدنانيِّ في قلبِ الجزيرَة، أستأذنهُ في تتبّعِ الأثَر، وأستمدّهُ الرّأْي.
ومَا هيَ إلَّا أشهرٌ حتَّى جاءنِي ردُّ الشّيخِ ممهوراً بمسكِ البادية، يقولُ فيه: ”بوركتَ يا إيتانس، وبوركت بصيرتُك! لقد وجّهتُ لكَ دعوةً بالرّحمةِ ومزيدِ الفتحِ في صلواتِي. فقد أحييتَ في صدري ذاكرةَ تلكَ الزّيارةِ الّتي أمسينا نذكرها شفاهةً في خيامنا بعد أن ساح المقدوني في معمورة إيل، فامضِ علَى بركته، وهذا مددٌ منْ خزائننا لا ينقطع، فاستنقذ ذخيرةَ اليونانيِّ الّذي جثا مرّةً على رمالنا!“
مدّني الشّيخُ بمالٍ نَفِذتُ بهِ إلى دارة السّدنَة، واشتريتُ بهِ صمتَ حرّاسِّ المخطوطَات.
كانَ ”الماوسيون“ عالماً عجيباً، جاذباً لمواهبِ الأرْض. وإنْ كان اللسان الرّسميّ هو اليونانيّةَ بحكمِ الفاتحينَ، إلَّا أنَّ التّنوّعَ كانَ حتميّةً تفضحُها الملامحُ ورطانة الألسن. فهذَا ”أرتاميسُ الطّرطوسيُّ“ قادمٌ منْ سوريَا يراقبُ النّجُوم، وذاكَ ”فيلونُ الإيطاليُّ“ يمازجُ أرقامَ الفيثاغوريّينَ، وهناكَ حكيمٌ مقدونيٌّ نسيَ سيفهُ وعانقَ رقوقَ الهندسَة. في هذَا الخضمِّ، قصدتُ رجلاً يدعَى ”نيكانُور القبرصيّ“. كانَ منْ أنجبِ تلامذةِ ”أرسطُو“، لكنّهُ نُبِذ في زوايَا المكتبةِ لأنّهُ رفض مداهنة عقيدةِ السلطة. منْ خلالِ ”نيكانور“، عرفتُ أنَّ النّسخةَ الوحيدةَ منْ مذكّراتِ أفلاطونَ الصّحراويّةِ لا تزالُ في حوزةِ حكيمٍ منْ سكّانِ أثينَا يومَ أنْ كانَ في الأكاديميَّة. كان هذا الرجلُ يحملُ فكراً مناهضاً لصنميّةِ الدّولَة، فحاربهُ فلاسفةُ السّلطةِ وطردُوه.
احتجتُ إلَى سفيرٍ لا يشقُّ لهُ غبَار، فلمْ أجدْ أعظمَ منْ أخِي وأستاذِي فِي الآراميَّة، وعينِ الميثاقِ الّتِي لا تنَام: ”تيمايُوس العسقلانيّ“. نعمْ، تيمايُوس، ذاكَ الفتَى الّذِي انسلَّ يوماً خلفَ هيفايستينَ - كما سلفَ لَنَا ذكره فِي رقاعِ السير - وزير الفاتح المقدوني وشقيق روحه، ورأَى بأمِّ عينيهِ كيفَ رفضَ الإسكندرُ ”عمارةَ الموتِ“ عندَ الأهرامَات [5] ، وفضّل إحياء الأرض فكانت الإسكندرية المنيفة بنتاً من بنات أفكاره وكيفَ بدأَ بطليموسُ يغزلُ خيوطَ خيانتهِ معَ كهنةِ منْف، إذ رأيتهم في محاريبهم المظلمة يطبخون رداءً جديداً للآلهة، يمزجون فيه لاهوت فرعون بأرباب الإغريق ليلدوا معبوداً ملفّقاً [6] لا غاية منه إلّا قيد العقول، وإسباغ الشرعيّة على انتهابِ إكليلِ المقدونيّ. لقد كانت تلك المؤامرة أوّل مسمار يدقّ في نَعْشِ الميثاقِ المتأخّر للإسكندر، وبداية عهد تُباعُ فيه الرّقوعُ لتَكتُبَ مجدَ الملوكِ المغتصبين بدلاً من كلمات المعرفة الخالصة... لكنّ هذا الحديثَ شجنٌ طويلٌ لا تسعُه رقعتُنا هذه، وسأفصّل لكم في موضعه كيف صار الرمز الجنائزيّ للجسد المسجّى طِلسماً للملكِ، وكيفَ استحالَ ذاك القبرُ المسروقِ عرشاً يخضعُ له التّاجَ والسّيف، وكيف تحوّلت الكهنوتيّة إلى سياجٍ يحمي بريقَ الذّهب." [7]
أرسلتُ تيمايوسَ إلَى أثينَا، ليعودَ إليَّ بشهادةٍ تدمِي القلْب.
وجدَ تيمايوسُ الفيلسوفَ المطرودَ، ويدعَى ”أبولودورُس الكيرينيّ [8] “ «ذو السِمات الإفريقيّةِ الّتِي زادتهُ غربةً في اليونَان». لمْ يجدهُ حكيماً يلفّهُ البيَاض، بلْ وجدهُ بقايَا إنسان. رجلاً نحيلاً كأنّهُ شبحٌ، تمزّقه المجاعة، ذا لحيةٍ رثّةٍ كأعشاشِ الغربانِ، وثيابٍ مهترئةٍ لا تسترُ هيكلهُ، يعيشُ مجنوناً منبوذاً في قاع سوق ميناء ”بيرايُوس“، تتقاذفَه ضحكات الرّعَاع.
بحلمهِ المعهُود، رعاهُ تيمايُوس. كساهُ، وأطعمهُ، وخاطبهُ بلسانِ العارفينَ حتَّى استخرجَ منهُ بقايَا عقلِه. سألهُ عنِ المخطوطَات، فبكَى ”أبولودورُس“ وقَال: ”دفنتُها كي لا يقتلوها! جعلتُها في عيبة جلدٍ أسطوانيةٍ صلبة، وطمرتُها في خربة خارج سور أخارناي فِي ضواحِي أثينا. لكنّني رأيتُ في هذياني أنَّ الأنواءَ قدْ جرفت التّراب عنها، وأن العفن بدأَ يأكلُ أطرافَها!“
انطلقَ تيمايوسُ كالسّهمِ إلَى الخربَة، واستلَّ ”عيبةَ الرّقوقِ“ قبلَ أنْ يبتلعهَا التّلَف، ثمَّ حملَها، وحملَ معهَا الحكيمَ المحطّمَ، وأبحرَ بهمَا إليَّ فِي الإسكندريَّة.
لمْ أُدخلِ الرّجلَ إلَى الإسكندريّةِ المكتظَّة، ولمْ أحملهُ إلَى قاعاتِ الماوسيون حيث أعين الفضول وأفواه المتسائلين. بلْ يمّمتُ بهِ شطر ملاذنَا السّرّيّ: ”ضيعةِ الكتبَة“.
هذه الضيعة كانت صنيعتي وتأسيسي بعد مشورة أهل الأمر الفاراني وبمدد خيرهم. فأقمتُها في ضواحي الإسكندريّة الهادئةِ بعيداً عن أعينِ البلاط. لم أرد لشهودي وكتبتي وإخوتي في الميثاق، بعد أن تزوّدوا من منافع الاسكندرية وخيرها واستغنوا عن ترفها وزخارفها وأعيتهم الحيلةُ والأسفار، أنْ يكونُوا عالةً علَى عطايَا البطالمَة، فاصطنعتُ لهمْ فيها حرفةَ صناعةِ البرديِّ وخياطةِ الرّقُوق. فصارت ضيعتُنا خليّةَ عملٍ طاهر، يعتاشونَ منْ عرقِ أيديهِم، ويمدّوننا بهذه السلعة المحتكرة النادرة ويدوّنونَ في ليلِها مواريثَ الحقّ.
في هذَا السّكنِ الوادِع، بينَ حفيفِ البرديِّ وأحبارِ الزّعفرَان، أودعتُ ”أبولودورُس“. هناكَ غسلنَا جراحهُ، وأكرمنَا شيبتَه، فرُدّت إليه الرّوحُ واستوى عقلُهُ. وبينَ أيدينَا، فُتِحت ”عيبة الجلد“، وبدأَ الحكيمُ المتعافي بقلمهِ الّذِي استردَّ يقينهُ يرمّمُ ما تآكل منْ رقوق ”أفلاطُون“، لنقرأَ معاً كيف تهاوى المنطقُ الإغريقيُّ أمامَ اتّساع الفيافي!
قُيِّد وخُتِم بحمد إيل العالي، وببركات ممتدّة من سيّدنا وشيخنا العربيّ العدنانيّ، راعي الميثاق وحارس سرّ فاران. بِيَدِ سادن الرّقوق وشاهدِ العصر إيتانس بن خشيار الصّغديّ
حرِّر في حرم ضيعة الكتبة، بظاهر الإسكندريّة
في الخامس عشر من شهر ديوس، لسنة الثّامنة والعشرين لتقويم السّلوقيّين. [9]
الموافق للسّادس من شهر فامينوث المصريّ، لسنة الحادية والعشرين من ولاية بطليموس الملك.













