آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 12:28 ص

حين فقدَ العالمُ قلبَه

نازك الخنيزي

لم يمت في ذلك اليوم أحد؛
الذي انطفأ كان العالم.

غابت أمي،
فعرف الكون معنى أن يفقد قلبه المستتر؛
ذلك السرُّ الذي أودعته الحياة في هيئة امرأة، وسمَّته أمًّا.

منذ ذلك اليوم،
أدركت أن الأمهات لا يُضفن إلى العالم حياةً أخرى؛
إنهنَّ السبب الخفيُّ الذي يجعل الحياة نفسها ممكنة.

ظلّت الأشجار خضراء،
وأتمّت الشمس دورتها،
وعرفت الطرق أسماء العائدين،
غير أن روحًا خفيّة انسحبت من الأشياء،
فبدت كاملة الملامح، ناقصة المعنى.

في حضورها،
كانت الجهات تستقيم من تلقاء الرحمة،
ويخفُّ عن الوقت عبء مروره،
ويهبط المساء على البيت
أقلَّ وحشة، وأكثر أمانًا.

ابتسامتها توسّع المكان،
ودعاؤها يردُّ الخوف خطوةً إلى الوراء،
وسجودها يخبّئ ليلًا كاملًا
كي لا يصل شيء من عتمته إلينا.

تنهض من صلاتها بوجه صافٍ،
فتوزّع الطمأنينة على أرواحنا،
وتسند جدران البيت الخفيّة،
بينما يظل قلبها وحده
يحمل ما عجزنا عن رؤيته.

بعد رحيلها،
لم يفقد البيت شخصًا؛
فقد ميزانه الخفي،
والجهة التي تعرف بها الأرواح
طريق الرجوع إلى نفسها.

اتّسعت الغرف،
وصار موضعها أعمق من الفراغ،
وغدا الصمت أثقل
من الكلام الذي لم يولد.

ثمة أشياء لا تنهار حين تغيب؛
إنها تواصل الوقوف،
لكنها تفقد السبب
الذي كانت تقف من أجله.

قالوا: ماتت.

كيف يموت من ترك نبضه
في دعاء يسبق الخوف،
وفي يد تمتد بالعطاء،
وفي رحمة نمارسها
ثم نكتشف
أنها بقيّة منها؟

أمي لم تكن فصلًا من عمري؛
كانت اللغة التي فهمت بها العالم،
والعين التي رأيت من خلالها
كيف يصير الوجع رحمة،
وكيف يتّسع القلب لما يؤلمه.

منذ غيابها،
ما زالت الأشياء واضحة أمامي،
غير أن معناها لم يعد كاملًا؛
فالغياب لا يأخذ الوجوه وحدها؛
ينتزع من الحياة
السرَّ الذي يجعلها قابلة للاحتمال.

لا أرثي أمي؛
أرثي العالم،
فمنذ غيابها
لم يعد يعرف
كيف يخفق.