آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 12:28 ص

أفضل إنسان في حياتك…

المهندس أمير الصالح *

من هو الإنسان الأفضل في حياتك؟

حتمًا تختلف الردود من الجمهور الكريم طبقًا للعمر، والبيئة، والقناعات، والتجارب، والجغرافيا. فالبعض يعتقد أن الإنسان الأفضل في حياتهم هو من يغدق عليهم الأموال والطعام، والدعوات إلى الولائم والسهرات! إلا أن البعض يرى أن أفضل إنسان هو من يساعدهم على الترقية في مناصب الشركة ومواقع العمل، أو يجلب لهم المزيد من المبيعات لتنمو ثرواتهم وحصصهم في الأسواق! وهناك من يرى أن أفضل إنسان بالنسبة لهم هو من يساعدهم على الحصول على اللذائذ الجسدية والمادية والترفيهية، بغض النظر عن حرمتها أو حليتها! وهناك من يرى أن أفضل إنسان بالنسبة لهم هو من يغذي عقولهم، لا أجسادهم، من خلال المحاضرات، والنقاشات، والمؤلفات، والمقالات، والمنطق، والإقناع، والحوار الهادف. وهناك من يرى أن أفضل إنسان بالنسبة لهم هو ناقل العلوم والنمام والهذار؛ لأنه يروي فضولهم.

فعليًا، الإنسان الأجمل ليس هو من يغدق علينا الطعام والولائم، ويسرد النكت، والهدايا المالية، ولا ذاك الذي يوفر مجالس اللهو، ولا ذاك الذي يصرف تذاكر سفر مجانية وتذاكر دخول حفلات باذخة، ولا ذاك الذي قد يقارع الحجة بالحجة ويحفزنا، كإنسان، لمعرفة وتشخيص واقع معين، ويغدق علينا الكلمات التحفيزية الإيجابية بشكل عارض، ولا ذاك الذي يوصف بأنه ناقل العلوم «الأخبار»؛ فإنهم جميعًا يتلاشى أثرهم بانقضاء المصالح، وتغير الاهتمامات، وتهالك الصحة.

نعم، اختلاف الأجوبة والآراء والأذواق لهذا السؤال وغيره سنة من سنن الحياة، ومن المفترض ألا يفسد علينا حياتنا من لا يتطابق في تبني آرائنا، من حيث نشعر أو لا نشعر؛ فحتمًا لكل شخص جواب معين للسؤال ذاته. ولكن علينا أن نقوي بصيرتنا لتحديد الإنسان الأفضل في حياتنا مبكرًا، طبقًا للقيم التي نهدف إلى ترسيخها طوال حياتنا وبعد رحيلنا.

أفضل إنسان

كأي إنسان، نميل عقلًا وعاطفة ومشاعر إلى الإنسان الذي لا يستنزف مشاعرنا، ويعزز ثقتنا بأنفسنا، ويشعل جذوة روح الأمل في قلوبنا، ويجعل وجوده بيننا مصدرًا للسكينة والطمأنينة. فنشعر بأننا به، ومعه، وإياه، في سفينة النجاة؛ لوضوح رؤيته، وعلو همته، وجميل الاقتداء به.

هو ذاك الإنسان الذي يكثر من التحفيز ويطمس اللوم والعتاب المنفر، وهو ذاك الذي يكثر التشجيع ويمحو التقليل من شأن الآخرين، وهو ذاك الإنسان الذي لا يشكك في قدراتك، ويسعى لتسديد خطواتك نحو مستقبل أفضل، ويعزز الثقة بنفسك. وهو ذاك الإنسان الذي لا يجاملك حد التلف، ولا يمتعض منك حد الكراهية والامتهان، وإنما يسعى بذكاء وحكمة وصبر لإرشادك نحو الطريق الأفضل والكرامة الأبدية. وهو ذاك الإنسان الذي لا يرى فيك العصمة، ولكنه لا يجادلك على كل شاردة وواردة. فإذا نجحت صفق وهلل لنجاحك، وإن أخفقت في بعض تعابيرك تغافل عنها؛ لعلمه بصفاء نيتك، وإذا تعثرت أخذ بيدك وشجعك لتجاوز تعثرك، وإذا احتجت إليه لم يخذلك، وإذا حدثته أصغى إليك، وإذا سعيت إليه رحب بك. إن ذاك الإنسان الأفضل قد يكون جسده الله لك في شخص الأب والأم، أو كليهما، والأخ الصادق، والصديق الصدوق، أو كلهم.

للبعض نقول: قد لا تعير لمثل هذا الإنسان أهمية في مراهقتك وشبابك؛ لقوة جذب الغرائز والشهوات لك، والعجب بالنفس يومذاك، إلا أنه مع مرور الوقت قد تحتاج إليه، ولا تراه حولك؛ لأن الموت قد خطفه، أو كبر السن قد أعجزه عن الحركة. فيا عزيزي، لا تجعل النفس الأمارة بالسوء، ولا أصدقاء السوء، ولا الإعلام المزيف، ولا الكلمات المعسولة المنمقة، يسرقون منك أجمل إنسان ساقه الله إليك بقدره؛ فإن أعز ما تملك بعد نفسك هو محيطك النافع من الناس الأسوياء. فراحة القلب، وطمأنينة النفس، بعد الثقة بالله ثم الاعتماد على نفسك، تولدت وتتولد وتنمو بوجود أفضل إنسان حولك: والدان رحيمان، وإخوة صادقون، وبعض الأصدقاء الأوفياء المؤدبين؛ هم أفضل صنوف الإنسان الأفضل، فاهتم بهم مبكرًا قبل فوات الأوان.

آراء مصادر الحكمة

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119].

وحديث حامل المسك ونافخ الكير المروي عن رسول الله ﷺ.

«صاحب الحكيم تسعد، وصاحب الجاهل تشق»؛ «فأعينوني بمناصحة خلية من الغش، سليمة من الريب»، الإمام علي بن أبي طالب . كلها تجمع على أهمية استدراك المحيط الصحي بالإنسان قبل الانجراف في محيطات ومستنقعات الضياع.

تدبر

فاختيار من تجالس، ومن تصاحب، ومن تسامر، ليس مجرد قضاء وقت فائض عن حاجتك، وإنما له أثر يترك بصمته في القلب، والعقل، والفكر، والقناعات، وحتى في خوض بعض التجارب، وحتمًا سينعكس على القرارات، والسلوك، ونوع العلاقات والروابط، ومسيرة الحياة في المستقبل.

نداء

عزيزي الشاب والمراهق،

أحسن اختيار من تدخله إلى حياتك، وضع حدودًا تحفظ كرامتك وسلامك النفسي والأدبي والأخلاقي والسلوكي والاجتماعي والعقائدي، وامنح قلبك وروحك حقهما في العيش مع من يعينك على الخير ويبعدك عن الرذائل، ويبعث فيك الطمأنينة، ويذكرك بالله، ويقدر وجودك، ويحفزك لصنع الأفضل في يومك ومستقبلك. فالعلاقات الصادقة الحقيقية والدائمة تبنى بصدق المودة، ومتانة الثقة، وحسن الخلق، والاحترام المتبادل، وتقوى الله. فراجع نفسك بين الحين والآخر، وجدد العهد بين الحين والآخر في قراءة بوصلتك وخارطة طريقك أثناء السير نحو أهدافك السامية والنبيلة، واقطع علاقتك بكل من يشوش مسيرتك نحو العلى.