دخان وراء بيوت العشيش
الوقت لا يزال صباح يوم الجمعة، من أحد الأشهر الشتوية، وغالبًا في شهر يناير من عام 1960.
كانت الشمس تبعث بشلالات من حزمها المضيئة، فأنارت ببياضها جدران المنازل الطينية، واستوطن ضياؤها سعف النخيل الشاهقة.
الأرض لا تزال رطبة، تنبعث منها رائحة مميزة شبيهة برائحة جذوع النخل. وهواء مشبع برائحة البحر يلفح بوردته الوجوه الحنطية، ويثير فيها النشوة والنشاط.
الرجال يمضون بهمة إلى حمام سباحة عام يسمى ”عين الوارش“. يرتاده مختلف شرائح المجتمع دون تمييز. ولكن الأولوية في كثير من الأحيان تُعطى للتجار والأعيان والوجهاء ورجال الدين، احترامًا وتقديرًا لمكانتهم الاجتماعية.
المكانة التي يحتلها التجار وكبار الملاك مُنحت إليهم من قبل بقية الشرائح الأخرى، بسبب مكانتهم الخاصة في قلوب عامة الناس، ونفوذهم الوجاهي الواسع. ولكنهم لا يميزون أنفسهم وسط مجتمعهم الضيق إلا بما يملكونه من صفات حميدة، وأخلاق راقية، ووجاهة متوارثة، وأملاك جلها في المزارع والتجارة والعقار!
قال أحدهم من البسطاء وهو يحدث نفسه بصوت مسموع: ”الله يستر من هذا اليوم“.
ومضى يكرر جملته الوحيدة على مسامع الناس، الذين تعودوا أن يمضوا في طريقهم بهمة لشراء خبز فطور الصباح المحمر بجمر الحطب من الخبازين المنتشرين في أنحاء عدة من الحارات. ويضيفون إلى مشترياتهم الصباحية ”حلوى الهجهوج“ الطازجة.
مجاميع متفرقة من الناس، والحركة دائبة. هذا يوم الإجازة الأسبوعية، يوم يغتسل فيه العمال من تعبهم بعد شقاء وكدح طوال أيام الأسبوع.
مشهد حركة الناس يثير الغبطة والانتشاء. يتداخل في المشهد كل ما هو طبيعي، وآخر يثير الحيرة.
ها هو ”مكي“ كفيف البصر، يقود عجلته معتمدًا على حسه وبصيرته القوية التي يتمتع بها.
ومن جهة أخرى ترى بعض النساء يسرن وخلفهن قططهن الوديعة. ولا يكتمل المنظر إلا بوجود مجاميع صغيرة من الشباب الذين قضوا جل ليلهم في اللهو البريء حتى مطلع الشمس.
لا أحد لديه الوقت للاستماع إلى ذلك البسيط الذي أضاف إلى جملته الأولى جملة أخرى:
”سنور أسود ومعه غراب أسود يأكلان من مشوى الفحم... أليس هذا يومًا مشؤومًا؟“
لم يعد هناك من لديه الوقت لسماع أمور لا طائل من ورائها. والناس بطبيعتها تتحاشى أصحاب النفوس المتشائمة. لذلك كلٌ يذهب في طريقه، والكل يلقي تحية الصباح بدعاء صادق، وأخوة صافية.
حركة ”البراحات“ وهي عبارة عن أسواق شعبية صغيرة، ولكنها غنية بالبضاعة الطازجة، تعج بالمشترين.
جميع البائعين تقريبًا من النسوة الفلاحات. بضاعتهن الطازجة غالبًا ما تكون من منتجات الألبان: الحليب واللبن والزبدة، وكذلك أنواع الخضار والحشائش، إلى جانب الحمضيات، والدجاج والبيض، والسمن وغيرها من المنتوجات البلدية الوفيرة القادمة من المزارع مباشرة.
من بين المشترين ”أبو علي“. كان مرتديًا بدلة العمل الخاصة بدائرة الإطفاء بشركة أرامكو، حيث كان يتباهى بارتدائها حتى في إجازة نهاية الأسبوع.
يعرفه الجميع كونه شخصية مميزة بتلك البدلة، التي تظهر قوامه الرشيق، وتساعده على الحركة، وإنجاز ما ينوي القيام به بكل يسر وسهولة.
كان يُلقب بـ ”الكبوس“، لأنه كان يلبس الكبوس أو القلنسوة بشكل دائم. وكان ذلك النعت يضيف إلى روحه المرحة المزيد من الفخر والنشوة.
فمنذ التحاقه كعامل إطفاء في شركة أرامكو وهو يتباهى بلباسه المميز، فاتحًا المجال لحديث الشباب عن رشاقته وقوته ووسامته التي لا يضاهيها أحد من أقرانه.
يبدو عليه الزهو بجسمه الطويل الممشوق، وعضلاته المفتولة. ولكنه في ذات الوقت كان يتمتع بتواضع هادئ، وبساطة في التعامل، واستعدادية قوية في مساعدة الآخرين.
كان برفقته ذلك الصباح المنعش ولداه الاثنان:
علي، أحد عشر عامًا، أبيض البشرة ناعم الشعر كوالدته.
وقاسم، صاحب البشرة الحنطية، عريض الأكتاف، يبدو عليه في التاسعة من عمره.
الولدان اللطيفان نسخة متطابقة مع صفات والديهما في الأناقة ودماثة الخلق. كانا دائمًا يقومان بتقليد والديهما في طريقة مشيته، وأسلوب حديثه المتصف بالممازحة البريئة. والابتسامة النقية تغمرهما بالسعادة والفرح.
كانت أسئلة قاسم بريئة وطاهرة، تسيل البراءة من لسانه كما يسيل الشهد من خليته.
سأل قاسم والده: ”هل سنشتري اليوم بيضًا لعمل شكشوكة الجمعة يا أبي؟“
ابتسم الوالد بزهو وأجابه بلطف: ”نعم، ولن أنسى خبز التنور أيضًا. سيكون خبز اليوم من مخبز السادة.“
قال الابن علي وهو يدير رأسه بإيماءة مفتعلة على طريقة والده الخاصة: ”إذا علينا الذهاب إلى منطقة الجامع يا والدي!“
فأجابه والده ”الكبوس“: ”لا يكن خاطرك إلا طيبًا يا أبا علوه!“ وأردف قائلاً: ”طلباتك كلها مستجابة.“
قالها لابنه وهو يقفز برشاقة إلى الجانب المقابل ليصطاد جرادة كانت تحوم بالقرب منه، ليعطيها لابنه قاسم. بينما كانت تقرقع بين أصابعه الكبيرة، ما جعل الأبناء في فرحة غامرة، وضحكات طفولية تجلجل في أرجاء الأزقة الضيقة.
أعداد الباعة من النساء في منطقة ”الجامع“ كان أكثر منه في ”براحة الحليب“، الذي يتواجد به عدد قليل من باعة الألبان البلدية بمختلف أنواعها.
في منطقة الجامع كان عدد المشترين في تزايد، والناس في تزاحم لشراء البضائع الرائجة.
كان المكان تفوح منه رائحة ورد الجوري، مخلوطة بقلائد الياسمين من صنع أيدي الفلاحات الصغيرات. وكانت العديد من منتجاتهن المتقنة، من سلال وقفاف وحصر، معروضة أمامهن بشكل مرتب وأنيق.
سأل قاسم والده: ”كنت دومًا أتساءل عن سبب تسمية هذا السوق بالجامع، فهل عندك علم بسبب تسميته بهذا الاسم؟“
تبسم ”الكبوس“، وقال: "عندما كنت شابًا سألت هذا السؤال إلى والدي، بحضور بعض من أعمامي، فكانوا مختلفين في إجابتهم.
والدي يقول سبب شهرة الاسم يعود إلى تجمع الباعة والمشترين في هذا المكان المحصور بين البيوت والأزقة المسقوفة، لذلك سمي بالجامع.
أما عمي الكبير رحمه الله، فكان يخالف ما ذهب إليه والدي. حيث كانت إجابته بالقول: سمي بالجامع لقربه من الجامع الكبير ذي المأذنة العالية."
سوق الجامع لا يقتصر على البيع والشراء، بل هو مكان يجمع أهل البلد، حيث يتداولون الأخبار الخاصة والعامة، ويتباحثون في كل ما يستجد من أحداث.
عندما أنهى حديثه، سأل علي والده: ”وأنت مع أي رأي يا والدي؟“
فأجاب ”الكبوس“ ولده: ”أنا أحب أن آخذ برأي الاثنين مؤقتًا، إلى أن أسأل من هو أعلم منهما، عندها أتبع الحقيقة. وهو ما أقوم به دائمًا.“
تصنع علي المعرفة، وأدار رأسه كما يفعل والده، ومضيا نحو هدفهما
لم تكن حركة ”الجامع“ صماء.
كانت النسوة الفلاحات ينقلن أيضًا أخبار قراهن، ويتبادلن الأحاديث الودية مع المشترين من النساء والرجال، بروح من الأُنسة والألفة التي تضفي على الأجواء مشاعر الود والرضا.
كان ”الكبوس“ يصافح كل المعارف الذين يقابلهم في سوق الجامع، ويتقبل المداعبات الكلامية من النساء والرجال بروح رحبة، ونفس طيبة.
النساء بالتحديد كن يحيينه، ويسألن عن أهله وعن والديه، وعن بدلته الجميلة التي يرتديها.
ولم يخفِ ”الكبوس“ مشاعر حب البائعات له، فكان يبادلهن المشاعر الأخوية، ويثني على منتجاتهن بأدب رفيع.
أُعجب ولده الأصغر قاسم بعرض إحدى البائعات لبضاعتها: مجموعة من قفاف مطرزة بألوان زاهية، وُضعت على شكل دائري. تتوسط المجموعة قفة صغيرة نسبيًا، وُضع البيض بداخلها بترتيب مدهش، وبطريقة هرمية.
فسأل البائعة بصوته الطفولي: ”بكم البيض حجية؟“
وعندما لم يصلها الصوت، استدرك أخوه علي وسألها بصوته الذي بدأ للتو يميل إلى الخشونة بنفس السؤال.
فارتسمت ابتسامتها من خلف ردائها الكشميري، من طريقة السؤال، وقالت والضحكة لا تزال عالقة على وجهها:
”هذا البيض للبيع بالقفة، والقفة بأربع قروش.“
فقال لها، وقد زاد انفعاله: ”ولكننا لسنا بحاجة إلى كل هذا البيض يا حجية، نص قفة تكفينا لعمل الشكشوكة.“
وهنا تدخل الأب ”الكبوس“ بطريقة عفوية ممازحًا البائعة، قائلاً: ”يالله تم بثلاثة قروش! أليس هذا مبلغًا كافيًا؟“
فأجابت الفلاحة: ”والله يا حجي أنت أول زبون في هذي الجمعة. يعني دعني أتفاءل بهذا اليوم وأصف قرش آخر! هل يرضيك هالفقيرة تخسر؟ وهذا بيض نظيف، وجديد، ومحّه أصفر نقي. غير أربع قروش ما بيع.“
ابتسم ”الكبوس“ لها، ومد يده وناولها المبلغ: أربع قروش قطعة واحدة من المعدن.
بينما كانت الفلاحة تجمع البيض وتضعه في الوعاء الذي قدمه لها الطفل قاسم، حيث كان يتابع طريقة ترتيب وصف البيض بانبهار...
وإذا بالرجل البائس بثيابه الرثة، ومعطفه المتسخ، وشعره المغبر، وهو يصيح بصوته الأجش:
”الله يستر من هذا اليوم المنحوس! سنور أسود وغراب أسود يأكلان من مشوى الفحم... أليس هذا يومًا منحوسًا!“
كرر عباراته وهو ينظر إلى السماء.
عندها أعادت الفلاحة المبلغ إلى ”الكبوس“ قائلة: ”لا آخذ قرشًا واحدًا بعد ما سمعت هذا الكلام الذي يكرره هذا المسكين.“
وطلبت فلاحة أخرى منه أن يأخذ ما تبقى من بضاعتها، وتبعتها ثالثة.
تاركات بضاعتهن لمن يحتاجها، قائلات: ”لقد أخذنا رزق هذا اليوم. وعليكم بالعافية فيمن تبقى من أرزاق. حلال عليكم، ومبرئة الذمة.“
لم تمر دقائق حتى فَضِيَ المكان من الناس، باستثناء الرجل البسيط، الذي ما فتئ يكرر كلامه:
”سنور أسود ومعه غراب أسود يأكلان من مشوى الفحم... أين أنتم يا خلق الله؟“
ساد صمت ثقيل.
حتى أصوات الطيور أختفت. وبقيت فقط قعقعة القروش الأربع في يد ”الكبوس“، ودخان خفيف يتصاعد من وراء بيوت العشيش.
- نهاية الفصل الأول -













