آخر تحديث: 15 / 7 / 2026م - 12:28 ص

كيف يعمل اللطف الإلهي خارج نطاق إدراكنا

حمايتك مما لا تراه...! «1»

الدكتور محمد المسعود

مالك السفينة اشتد غضبه على الله حين وجد سفينته دون سواها معطوبة، وقال لله:

”لماذا لم تنظر إلى عيالي؟!“

كان الخضر قد نفَّذ أمر الله بحفظها من المصادرة من خلال إيجاد العيب فيها، وهكذا نجت وحدها دون سواها. كان الله يحميه مما لا يراه! ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: 68] سخط الجهل بالعواقب، الساخط الناشئ من الإدراك المحدود، سخط عدم نفاذ الرغبة العمياء! وكل هذا السخط المتنوع متجه لله الرب الرحيم الودود الحكيم الذي يختار لك ما يليق بك وما يصلحك.

الدعاء الذي يوقظ القلب على اللطف الإلهي الخفي…

”اللهم مولاي، كم من قبيح سترته، وكم من فادح من البلاء أقلته، وكم من عثار وقيته، وكم من مكروه دفعته، وكم من ثناء جميل لست أهلاً له نشرته.“ من دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رواية «كميل بن زياد النخعي».

يتحرك قلب علي ويحمل قلوبنا معه بين ثلاثة أبعاد:

· بعد الماضي: القبيح الذي وقع منا، والبلاء الذي نزل علينا.

· بعد الحاضر: العثار الذي يوشك أن يقع.

· بعد المستقبل: المكروه الذي لم يقع بعد، والثناء الذي سينشر في الناس.

القلب المنكسر أزيلت منه قشرة الكبرياء، وانكشف له حقيقة العبودية، لهذا يقول بضراعة المنكسر: ”اللهم مولاي“: تأسيس لهوية قلبك قبل الاعتراف لربك!

”مولاي“: كلمة تحمل ثقل المنكسر الذي لا جابر له، المنكسر الذي أثقل شيء عليه كسره…، وإقرار بولاية لله بالتصرف والتبن؛ أي إن الله هو المتولي لشؤون هذا العبد في كل تفاصيله بحكم «الولاية». أنت لست متصرفًا بنفسك مطلقًا في حضرته. الولاية تعني: أن يكون الله هو المتصرف في الظاهر والباطن في قلب العبد وسره، أي إن الولاية الإلهية هي سياج الوجود كله للعبد. قبل أن ينكشف عن القلب ما ستر عليه وما دفع عنه، ينبسط عليه يقين الضعف وانعدام القوة والحول:

أن يده ليست مغلولة بعجزه، مسلوبة الفعل والقدرة، عاجزة عن كل شأن يعنيها إلا بإذنه ومشيئته، جاهلة في التدبير، عاجزة وإن اشتعلت الرغبة وتقترب بجهلها مما يجب عليها أن تتباعد عنه، وتتباعد عما يجب أن تقترب منه. جاهلة في تمام علمها، وضعيفة في ذروة قوتها، وعاجزة في لحظة اكتمال سلطانها.

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188]

إننا جميعًا لا نستجلب نفعًا، ولا ندفع ضرًا إلا منه وبه وحده. هذا التأسيس مهم؛ لأن كل ما سيأتي بعده هو آثار من ولاية الله غامرة الحنان والرأفة والرحمة.

• القبيح المستور: حين تكون النفس أخطر مما يظهر لك..

يثير الإمام علي سؤال المفضوح أمام الله، والمستور عليه أمام الناس: ”كم من قبيح سترته؟“ القبيح قائم في بنية النفس ذاتها.

القبيح هنا أعم من ”الذنب“ بالمعنى الفقهي؛ بل يتسع لبنية النفس الناقصة: جهل، هوى، تعلق بالدنيا، نفاق خفي، ضعف إرادة أمام الشهوة، غفلة غالبة على المشاعر والحس، وتباعد الروح عن منبع نورها.. كلها ذنوب وسيئات.

يقول العرفاء: ”النفس في أصلها محل النقص، والروح محل الكمال، والقلب برزخ بينهما.“

فالقبيح هو ما يطفو من نقص النفس على سطح القلب، ولو كشف كل ما في النفس من قبيح لانهار الإنسان أمام قبيح نفسه وضعفها وظلمة جوهرها. وهذا سبب خجل علي بن الحسين من أن يجعل هذه النفس محلاً لتجلي الله عليها بدوام ذكره، ودوام حضوره فيها. «لولا الواجب علي من امتثال أمرك لنزهتك عن ذكري». أنت لا ترى إلا جزءًا يسيرًا من نفسك، وما لا تراه قد يكون أخطر مما تراه، ومع ذلك، الله يتولى ستره عنك وعن الناس. حمله إلينا الإمام الحسين في دعائه يوم عرفة:

”أنا الذي إذا ذكرت ذنوبه استحيا، ولو اطلعوا يا مولاي على ما اطلعت عليه مني إذا ما أنظروني، ولرفضوني، ولقطعوني، ولما صاحبوني، ولفضحوني، ولكن بسترك سترتني، وبحلمك حلمت عني، وبعلمك عفوت عني، فلك الحمد إلهي ما أكرمك.“

إقالة البلاء: تعني رحمة فوق نظام الأسباب، وتعني أن يبعث نبيين عظيمين لحمايتك من الفقر، ولحماية رزقك من التلف، في الوقت الذي لا يرتفع سخطك عنه؛ لأنك ترى بعينك لا ببصيرتك، ومن لا يرى بقلبه أعمى ويحشر بعماه..!

”وكم من فادح من البلاء أقلته“

البلاء الفادح: ”تحمل عبئًا فادحًا“: ثقيلًا، شديدًا. فمصيبة فادحة تعني ثقلًا تضعف النفس عن حمله.

الإقالة تعني: أن البلاء قد نزل بك وأحاط بقلبك، لكن الله خفف أثره، أو قصر مدته، أو حوله إلى خير باطني.

يقول الإمام الصادق : ”إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه.“

بعد كل بلية يتدخل اللطف الإلهي ليمنع تحول البلاء إلى كسر نهائي للقلب والنفس. وإقالة الله لك: أن الله لا يتركك تحت منطق ”الاستحقاق“ فقط، بل يدخل على قلبك وروحك ونفسك ”الرحمة والرأفة والحنان وعظيم العطية“!

يعبر ابن عربي عن هذا بقوله: ”الحق يتصرف بين العدل والفضل، فإذا غلب الفضل سمي ذلك لطفًا.“

دائمًا:

نحن نقف دون السقوط بخطوة..!..

نحن نقف دون الفضيحة بخطوة..!.

نحن نقف دون مهانة الذل والخزي بخطوة..!.

هذه الخطوة المانعة من السقوط، والفضيحة، والخزي، والذل، هي لطف الله الذي يعمل خارج دائرة إدراكنا، خارج ما نستطيعه من وعي، وفوق ما نقدر عليه من حس.. ولكنها خطوة.. تحمل أعظم هباتها من الرحمة والرأفة والحنان وعظيم العطية.

[يتبع في الجزء الثاني]