آخر تحديث: 11 / 7 / 2026م - 1:44 ص

كهوف اللاوعي.. والعبور إلى التفرد البنائي!

علي آل طالب صحيفة الجزيرة

ماذا لو أنني ولدت في بقعة أخرى من الأرض، أو في ثقافة مغايرة، أو في بيئة أيديولوجية مختلفة؟ هل سيكون دفاعي عما ترسخ عندي من تصورات واعتقادات بالحماس نفسه كما أنا عليه اليوم؟ كنت أقود المركبة متجهاً إلى مقر عملي، وفي الأثناء دخلت في محادثة مسموعة إثر تلقي مكالمة هاتفية من مدير المدرسة حول البرامج الإثرائية للتعلم، ودفع عجلة التطوير الأدائي عبرها، إلا أن المفاجئ في الأمر، أنه بعد وقت قصير، وبصورة تلقائية، وجدتني قد وصلت إلى وجهتي دون وعي بمجريات الطريق. هل يا تُرى من كان يقود السيارة أنا، أم جسدي الذي كان يعمل وفقاً لنظام الطيار الآلي؟ إن هذه المفارقة اليومية ليست مجرد عرض لعقل شارد، بل هي مرآة كاشفة لكيفية إدارة حيواتنا كلياً؛ فالدماغ البشري، لحفظ الطاقة، يحول الأفعال المتكررة إلى ”مسارات عصبية ثابتة“.

هذه الآلية البيولوجية هي ذاتها المنظومة الاجتماعية التي تُستخدم لـ ”صناعة الضمير الجمعي“ بتعبير السوسيولوجي إميل دوركايم؛ حيث تولد الأجيال وتتناسل في بيئات مجهزة بقوالب معلبة بالاعتقادات، والأنماط الاستهلاكية، والمخاوف المشتركة، والتي أسماها دوركايم ”الوقائع الاجتماعية“ ”Social Facts“، وهي تلك القوى الخارجة عن ذات الفرد وتفرض عليه قهراً ناعماً؛ ليتحول الفرد تدريجياً - وبفعل طبيعة التنشئة والتكرار - إلى تبني ”التلقائية السلوكية“ في معظم قراراته؛ بدءاً من اختياره لتخصصه، وتحديده لمعايير نجاحاته، وصولاً إلى إسقاط أحكامه على الآخرين، وانتهاءً بسرديات التشكل لتصوراته ومعتقداته، وردود الأفعال العاطفية لديه وغيرها.

ولعل أعمق تجسيد برهاني لهذه السطوة الخفية هو ما أثبته دوركايم في دراسته الشهيرة ”الانتحار - 1897 م“، حيث برهن إحصائياً على أن الفعل الأكثر خصوصية ووجدانية في حياة الفرد محكوم في حقيقته بقوى وبنى اجتماعية مسبقة الصنع. هذا التماهي والاتساق ليس سلبياً بالكامل، فهو يمثل صمام الأمان لـ ”التضامن الاجتماعي“ ”Social Solidarity“ الذي يمنح المجتمع تماسكاً واستقراراً، لكنه ومع مرور الوقت يتحول إلى ”قوالب صماء“ يُلغى معها التفكير النقدي ومختلف اللوازم المنطقية؛ ليُحبس الإنسان في ”القفص الحديدي“ ”Iron Cage“ وفق ماكس فيبر، وتُكبل شخصيته داخل أطر اللاوعي والرتابة البيروقراطية المجردة من المعنى.

وفي السياق عينه، لسيرورة الزمن آثارها الكبيرة في تمظهر الهوية فينا - أفراداً وجماعات - باتت الشخصية أشبه ما تكون مبرمجة ومطبّعة مع البيئة ومحتوياتها. وتشخيصاً لهذا السلوك البشري، يرى ماكس فيبر أن معظم الأفراد يقعون تحت طائلة ”الفعل الاجتماعي التقليدي“ ”Traditional Action“، وهو السلوك الذي يؤدى انصياعاً للعادات المتوارثة بلا إعمال للفكر الناقد، ولا إخضاع الخيارات لأدوات التحليل المنطقي. ينساق الأفراد وراء هذا الرتم العالي من التنميط الصوري السائد، لتقع الهوية حينها في ركود الجمود والغياب. هنا تعصف بنا الأسئلة الوجودية: هل الأفكار التي تدور في عقولنا هي بنات وعنا الحر، أم أنها مجرد صدى لبيئتنا؟ وهل توازي قيمتنا الذاتية بالضرورة تلك الصورة الذهنية التي يرانا بها الآخرون؟

انطلاقاً من كل ذلك، لم تعد فكرة سيطرة اللاشعور على القرارات الإنسانية مجرد أطروحة نظرية ارتبطت بـ ”جبل جليد“ سيغموند فرويد ”Sigmund Freud“، بل تحولت إلى حقيقة مخبرية تعضدها أبحاث علم الأعصاب الإدراكي الحديث ”Cognitive Neuroscience“، وتؤكدها دراسات علم النفس المعرفي وسلوك المستهلك بجامعة هارفارد. إذ إن قرارات الإنسان اليومية واختياراته الاستهلاكية ليست بمعزل عن هويته؛ وفي هذا السياق المتقاطع، يبرهن البروفيسور جيرالد زالتْمان ”Gerald Zaltman“ على أن ما يقارب 95% من صيرورة المعالجة العقلية، والدوافع المحركة للاختيارات، تتشكل وتحدث في عمق العقل الباطن ”اللاواعي“، بينما ينحصر دور العقل الواعي والتحليل العقلاني في المساحة المتبقية التي لا تتجاوز ال 5 % فقط. وبذلك، يقدم الكشف العلمي المعاصر دليلاً ملموساً على أن المهيمن البنائي على المحفزات السلوكية ينبع من آليات لا واعية؛ مما ينقل مفهوم اللاوعي من إطاره التفسيري الفلسفي إلى نطاق الحقائق البيولوجية والإدراكية القابلة للقياس، ويؤول بالإنسان - بوصفه كائناً مبدعاً - إلى مجرد صدى زمني مكرر لبيئته.

يلتقي الطرح البيولوجي مع ما تناوله غوستاف لوبون في كتابه ”سيكولوجية الجماهير“ ”Crowd Psychology“، وسولومون آش في تجربته ”الامتثال الاجتماعي“ ”Social Conformity“؛ بأن معظم قناعات الفرد هي نتيجة ”عدوى نفسية واجتماعية“ يتبناها الفرد تجنباً للنبذ من قِبل سلطة العقل الجمعي والتأثير الاجتماعي. وأمام هذا القهر البنيوي، لا مناص للإنسان عندها سوى مواجهة ارتهانات التأرجح السوسيولوجي بين قهر البنية وإرادة الذات: إما التشكل العفوي ”اللاوعي الخاضع للضمير الجمعي“، أو التفرد البنائي ”الوعي الفردي المستقل“.

لا شك أن العقل اللاواعي هو المهندس الخفي في رسم السياقات الذهنية للهوية الاجتماعية؛ إيجابية كانت أم سلبية. غير أن مكمن القلق تحديداً - وبعامل الزمن - هو تحول بعض الأعراف والعادات والتقاليد إلى قناعات دوغمائية جامدة وضروريات أيديولوجية تكبل حركة الإنسان؛ لذا تبرز ”الحماية الذهنية“ كضرورة وجودية لا كترف فكري. وهذه ليست دعوة للقطيعة أو الارتياب، بل هي ”حصن معرفي“ نضعه بيننا وبين الموروث؛ كمحاولة للانتقال بالسلوك من ”الفعل التقليدي الرتيب“ ”Traditional“ إلى ”الفعل العقلاني المرتبط بالقيم“ ”Value-Rational“ عند ماكس فيبر؛ ممارسة يومية تجعلنا نتساءل قبل الانصياع: هل هذا العرف يغذي إنسانيتي أم يكبلها؟

إنها عزلة معنوية عن ”أصداء الجماهير“ داخل عقولنا؛ لتسمح لنا بالتحرر من الاستغراق الكامل في التضامن الآلي للمجتمع، ونسمع صوتنا الخاص بتجلٍّ ووضوح. بهذا التحول، تعود العادات من ”قوالب مصمتة“ نُحبس فيها، لتصبح ”مواداً أولية“ نصوغها وفق بوصلتنا الأخلاقية الخاصة والذاتية؛ تماماً كما فعل رواد الإصلاح الديني الذين درسهم فيبر في كتابه ”الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية - 1905 م“ حين غربلوا قيم المجتمع الإقطاعي السائد وأعادوا إنتاجها لصناعة واقع تاريخي واقتصادي جديد.

وبالعودة قليلاً إلى فكرتي عفوية التشكل للفرد وانتظامه البنائي، مما يتطلب البحث عن آلية تجاذب ديناميكية تسهم في تنظيم العلاقة البنائية بين الفرد والمجتمع.

وإن مجرد الخروج من كهوف التشكل العفوي يستدعي غربلة معرفية للموروث، وهنا تبرز جدلية التجاذب الديناميكي بين مفهوم دوركايم في الحفاظ على التوازن والأمن الأخلاقي للمجتمع، ورؤية فيبر في ”الفاعلية الفردية“ ”Agency“؛ لتبدأ بالقيم والأخلاق التي لا يمكن التخلي عنها بل إعادة إنتاجها لتواكب العصر، مروراً بالعادات والأعراف التي تتطلب تحسيناً أو تجاوزاً إذا ما ثبت عدم جدواها، ووصولاً إلى تفكيك الصور النمطية الجاهزة لنبني أحكامنا على معايير الاقتدار والكفاءة.

إن مجرد الشعور بالحيرة المعرفية ما هو إلا علامة تعافٍ وبداية لليقظة والتأمل؛ واستمراراً في مراقبة الأنماط البدائية العالقة في ماراثون اللاوعي، الذي يؤصل في مضامينه لمفهوم ”الموروث“ في لحظة اشتباك جادة يكون فيها ”الوعي البنائي“ كطرف حاسم. يسهل من خلال ذلك، إدراك الفرق الجوهري بين صدى الجماعة والصوت الذاتي؛ مما يستدعي إعادة تعريف للمفاهيم الفردية الخاصة بعيداً عن تلك الأطر الاجتماعية الجاهزة، بالاعتماد على التدرج في نقد التنميط؛ فليس المطلوب ثورة شاملة تقتلع جذور التماسك الاجتماعي، فتدخل المجتمع في حالة ”الأنومي“ ”Anomie“ أو غياب المعايير ”كما يحذر دوركايم“، بل يقظة مستمرة تعيد للفرد فاعليته وقدرته الملهمة ”الكاريزمية“ على إحداث التغيير وصناعة المعنى في مضمار إرادة التغيير!

في نهاية المطاف، إن رحلة الخروج من كهوف التشكل العفوي إلى فضاء ”التفرد البنائي“ ليست ضرباً من الترف الفكري، بقدر ما هي ملحمة صراع وجودي؛ لاسترداد ذلك الإنسان المستقل فينا. إن الدعوة هنا ليست لإحداث القطيعة مع الماضي أو اغتراب عن المجتمع، بل هي دعوة إلى ”تصالح واعٍ“ معه.

نحن بأمس الحاجة إلى استدعاء مفهوم ”الضمير الجمعي“ ”Conscience Collective“ لدى دوركايم، الذي يحفظ للمجتمع بنيته وتوازنه الأخلاقي، ولكننا أيضاً بحاجة أشد لـ ”عقلانية وفردانية“ فيبر؛ لتنقذنا من جمود تلك الأنساق المغلقة. فلا نعود مجرد صدى للأصوات من حولنا، بل نصبح نحن الصوت، والفكرة، والقرار.

ف ”أنا“ كأصالة هوية حقيقية لا تتجلى في مقدار مطابقتها مع نسخ أشخاص آخرين، بل في تلك اللحظة المحايدة التي نقرر فيها - بمنتهى الوعي وبمقتضيات الرشد والحكمة - أن نمسك بزمام الأمور ذاتياً وفق تفردنا البنائي الحر. إذ في ظل سردية اختطاف الوعي، تتحول العادات والأعراف والتقاليد - مع مرور الزمن - إلى ضروريات اعتقادية، تترسخ كمنظومة قيم، ونماذج مثلى، لا يمكن مجابهتها - على الأقل - إلا بالتساؤلات الكبرى. وعلى الرغم من أن معظم الأسئلة ليس لها أجوبة نهائية؛ ستظل كثافتها دفاقة ومستمرة تجاه نمطية الموروث التاريخي، الذي هو ضالع - إلى حد الانغماس - في تشكيل الشخصية فينا.