آخر تحديث: 11 / 7 / 2026م - 1:44 ص

الجندر السعودي.. بأي معنى وأي مشروعية؟

نذير الماجد مجلة اليمامة

تورد الكاتبة الأمريكية ”كيت ميليت“ في أحد نصوصها شاهدا طريفا حول علاقات القوة واستبطانها في الفئات المهمشة. تخبرنا أنّ باحثا قام بتوزيع مقالين على عدد من الطالبات، أحدهما موقّع باسم مذكر، والأخر باسم مؤنث. وعرض عليهن إجراء تقييم من حيث عمق أو سطحية المقال. فأظهرت النتائج أن الكاتب ”جون“ مفكر عميق ورائع، في حين يفتقر تحليل الكاتبة ”جوان“ إلى العمق، فهي كاتبة سطحية. رغم أنّ المقالين - في الواقع - نسختان للمقال ذاته.

الشاهد جدير بأن يكون فاتحة مقاربة جندرية كهذه. فمن الواضح أنّ الإجابات متوقعة، بقدر ما هي مخترقة بمركب من الصفات النمطية الناجمة عن التأسيس الثقافي للاختلاف بين الجنسين. تبنى الاختلافات والتباينات النفسية والاجتماعية فوق الاختلاف البيولوجي. قيل ذلك كثيرا. الذكر هو الرجل، فهو - إذن - القوي والعاقل وشاغل الحيز العام ”المجتمع“. والأنثى هي المرأة، فهي - إذن - الهشة والعاطفية وشاغلة الحيز الخاص ”المنزل“. وهكذا تبنى الاختلافات والتباينات في الصفات والأدوار الشخصية نتاج الطبيعة، والثقافة تؤدي مهام وعمليات التكيف، والمجتمع هو خارج الزمن وفوقه، فهو مطابق لذاته دائما.

لم تعد تلك الصفات بدهية منذ دشن الفكر النسوي خطابه النقدي. أزال النقد البداهة عن مقولات كانت سائدة، ولا تمس، وخارج نطاق المفكر فيه. لم يعد ممكنا الحديث عن فكر اجتماعي وتنمية دون استحضار جسارة الأسئلة النسوية. الجندر أحد تلك الأسئلة الصعبة التي يتوجب فحصها ومعاينتها، في كل سياق اجتماعي يتوخى اجتراح تحديات الحداثة والتنمية، سعيا للمصالحة مع الذات.

الجندر «Gender» ذلك المفهوم الإشكالي، والذي راج استعماله منذ سبعينات القرن العشرين مع كاتبات نسويات مثل الأكاديمية البريطانية ”آن أوكلي“، والاسترالية ”راوين كونيل“، يتحدد - أولا - بصفته أداة تحليلية. ليس من الصعب إدراك ذلك. يسهم المفهوم في الكشف عن البناء الاجتماعي والتوقعات الثقافية للهوية الجنسية. الجندر مركب من الظواهر الاجتماعية. إنه حدث يقع في التاريخ. ولذلك فالمفهوم خصب معرفيا. وُلد الجندر فاهتزت معه المعرفة. لم تعد الدراسات وحقول المعرفة الإنسانية كما كانت في السابق. جرى دمج الجندر فأعيد بناء الرؤية والمنهج ونوع الأسئلة. استعمله العديد من المثقفين العرب. نجد مثلا عبد الصمد الديمالي الذي كتب العديد من البحوث في هذا السياق. وآمال قرامي التي قامت بدراسة النظام الجندري في الثقافة العربية، بالاستناد إلى مؤسسات مثل العائلة والكتاب والمسجد ومؤسسة الفقه ومؤسسة الحسبة، لتجد أن ظاهرة الاختلاف ترسي تقابلا تفاضليا بين الجنسين على مستوى اللغة والمعرفة. استحضار الجندر والجهر به ضرورة معرفية وتنموية. نخسر كثيرا عندما نتخطاه. ونخسر أكثر عندما لا نحسن الضيافة والفهم. يقال أنّ المفهوم ولد في سياق مغاير. الجندر وافد غريب على ثقافتنا. كما لو أنه وحده كان كذلك.

تهبّ الاعتراضات على المفهوم من كل جانب: الحمولة الثقافية المغايرة/ المآل العدمي والتخريبي الذي يطال كل شيء، من المتعاليات والأخلاق وحتى تقويض البنية الأسرية/ إنّ الجندر حصان طروادة لهيمنة استعمارية/ تخضع الدراسات الجندرية لأجندة تمويلية مشبوهة/ الجندر نقيض للطبيعة، وبما هو كذلك فهو دعوة أيديولوجية هدامة/ الجندر خدعة جديدة تضاف إلى ذلك التتابع البغيض لفصول المؤامرة! وهكذا تثار المشكلات ويسوء الفهم. وسوء الفهم هذا لا ينجم عن مصاعب الترجمة ومشكلاتها وحسب. نعلم أن جدلا كبيرا احتدم حول ترجمة المصطلح. يفضل - مثلا - عبد الصمد الديمالي وهو عالم اجتماع مغربي، استخدام ”الجنوسة“ لما يوفره ذلك من تلاعب اشتقاقي بمفردة الجنس. بينما تتراوح الخيارات الأخرى بين تبني الكلمة في أصلها الأجنبي ”الجندر“، وترجمات تتكئ على الدلالة لاختيار المقابل العربي الأقرب إلى المفهوم ذاته، فيقال: ”النوع الاجتماعي“.

إنّ سوء الفهم - مع ذلك - ليس سوء قراءة وحسب، أو ترجمة متعجلة، أو تشويها حتميا لا مفر منه في كل هجرة مفهومية من سياق ثقافي إلى آخر. يكمن سوء الفهم تحديدا في التصورات المسبقة، وفيما يحاط به من حساسية مفرطة، جاعلة من المصطلح الذي هو أداة مفهومية تحليلية وحيادية مفردة مشحونة بطاقة انفعالية. ذلك لأنّ أسئلة الجندر تعيد مساءلة آليات ومخرجات ما أسماه ”بورديو“ الاعتياد الاجتماعي، أو الهابيتوس «Habitus». والأسئلة تبدأ بسؤال جوهري وراديكالي، فهو يتعلق بتمفصل حاسم: متى وأين تبدأ الثقافة وتنتهي الطبيعة؟

نجد حججا تتوالد باستمرار. حيث يقال إن منشأ الفروق في المكانة والدور والمزاج وسائر الاستعدادات والصفات الشخصية هي الطبيعة ذاتها. العلاقة بين الجنسين لابد أن تقوم على أساس. هذا الأساس هو البيولوجيا. لم يخترع الذكور شيئا. والمكانة الرفيعة للرجل ليست خطة تآمرية. الهيمنة إنما هي نتاج القوة. تلك القوة التي ستتخذ طابعا ماديا جسديا ”البنية العضلية“، أو طابعا نفسيا ماثلا في صفات البأس والقوة والحزم. القوة - إذن - هي أصل القانون. تُحجب هنا التحيزات. فالقانون يضفي تبريرا ومشروعية على مجمل التفاوتات والامتيازات. وعلى هذا النحو يتم رفد الحجج التقليدية المنكشفة أيديولوجيا - الحجج المتكئة على قوة التقاليد والتي يتم رفعها دائما إلى رتبة ”التابو“ - بحجة أكثر متانة وأقرب إلى وضعية العلوم الدقيقة.. إنها الحتمية البيولوجية.

على هذه الصخرة تبنى المقولات. وتبنى التصورات التي جرى تحويلها من التاريخ إلى الأبدية. الأبوية التي تفهم - وفق بيير بورديو - باعتبارها ذلك التمثل الذي يفترض التجانس بين علاقة ”رجل - امرأة“ وعلاقة ”راشد - طفل“، لم تعد حدثا تاريخيا، أو نظاما ناجما عن بنى موضوعية اجتماعية وتاريخية، بل تبدو مثل نظام طبيعي. فالواقع هو هكذا دائما، إنه ”حاضر أبدي“. الأمر الذي أدى إلى جعل الاعتباطي معياريا كونيا، والتاريخي لاتاريخيا.

يستوجب تحليل تلك البنى الموضوعية القطيعة مع المقاربات السوسيولوجية التزامنية التي تقود إلى تجاهل الشروط الاجتماعية والثقافية والتاريخية للوقائع، أي ”تلك التي تحكم إنتاجها وإعادة إنتاجها، وما يرافقها من معاودة للبناء والتأويل“، بحيث نرى - كما يقول بورديو - ”أنّ نسيان البدايات الذي يظهر من خلال هذا الموهوم الساذج: «هكذا كانت الأمور دائما»، أو مفهوم اللاوعي الثقافي، بما له من طابع جوهراني، يقودان إلى تأبيد العلاقات أو تطبيعها، فيما هي، في الواقع، لا تفهم إلا بوصفها من نتاج التاريخ“.

لكي يبدو الحديث عن الجندر ممكنا لابد من الاشتباك مع هذا الطراز من التفكير الجوهراني. ذلك الذي يتعامل مع الظواهر الاجتماعية على نحو تزامني ثابت، بحيث تبدو خارج السياق والممارسات والبنى الاجتماعية والثقافة المؤدية إلى ظهورها، أو بعبارة أخرى: تُنتزع السوسيولوجيا من التاريخ.

ينشأ هنا التمييز بين المعطى البيولوجي الذي هو ثابت طبيعي، والجندر ”Gender“ الذي هو بناء اجتماعي. الجندر نتاج بنى وأفعال اجتماعية وتوقعات ثقافية ترسخت عبر حقب زمنية طويلة أو قصيرة. فإذا كانت الاختلافات البيولوجية ثابتة ومستقرة، فإنّ التباينات الجندرية تاريخية. وهي لذلك شديدة التحول. إذ أنّ المقاربة الجندرية تفترض أن الفرص المتاحة للجنسين، وأدوارهما، وشكل العلاقات السائدة بينهما، إنما هي عناصر مبنية اجتماعيا، ولذلك فهي كلها قابلة للتغير والتغيير. وكل ذلك مشروط لا بحسن النية والضمير اليقظ، أو بالنشاط النضالي للحركات النسوية الهادفة إلى بث الوعي في عقول الأفراد، بل بالعمل - أيضا - على تغيير تلك الشروط ذاتها: السياقات التاريخية التي جعلت تلك الاختلافات الجندرية ممكنة.

غير أنّ من الضروري التنبيه إلى أنّ التغيير القصدي والمخطط ”التنمية“ لا يختزل كل أشكال التغير. مع ذلك، فإنّ ما يهمنا - هنا - هو التشديد على أنه في كل مرة يقع تحول، فإن جندرا ما يُستحدث ويُولد، فيعاد تشكيل الهويات والعلاقات الجندرية. بهذا المعنى يبدو الجندر مفهوما كونيا. ما دام التغير هو ذاته ظاهرة كونية. وبهذا المعنى يطرح سؤال المشروعية والمعنى: بأي مشروعية يمكننا الحديث عن جندر سعودي؟

تنطق الوقائع، فتُفرَض المشروعية. لنأخذ عمل المرأة مثالا. إذ لا يعدّ ظاهرة جديدة. فقد شهدت المجتمعات ما قبل الحديثة مشاركة واسعة للمرأة في العمل. غير أنّ الجديد هو العمل المأجور وما يتبعه، كالاستقلالية المالية وحرية الحركة.. الخ. فقد أسهم ذلك في إحداث تغيرات واسعة في الشخصية الجندرية. وهي تغيرات ربما تكون غير مدركة، لكنها ملموسة على صعيد الواقع. بحيث صرنا نلمس تطلعات وأوضاعا وعلاقات جديدة، وحيث أصبح ممكنا ومفهوما ارتفاع مكانة المرأة وثقتها بذاته، مما يفرض مراجعة دائمة للتصورات الجندرية. وهو الأمر الذي تكشفه الدراسات الحديثة، والتي شهدت ازدهارا بعد الإعلان عن الرؤية الوطنية «2030»، وما رافقها من خطط وبرامج للتحول الوطني.