ضجيجٌ إلكتروني
كان محمد يشكو لصديقه عليٍّ وهو يقول:
"أشعر أنني لم أعد أعيش بهدوء. فمنذ أن أستيقظ حتى أخلد إلى النوم، وأنا أتنقل بين البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع الفيديو، والإشعارات التي لا تتوقف.
أصبحنا وكأننا ملزمون كل يوم بأن ننشر قصة، أو صورة، أو مقطعًا، ثم ننتظر: من شاهد؟ ومن أعجب؟ ومن علّق؟ ومن شارك؟
ويمضي النهار سريعًا، حتى إذا أقبل الليل، وجدت نفسي مرهقًا... لا من كثرة العمل، بل من ضجيجٍ إلكتروني لا يهدأ. أشعر أن عقلي لم يعد يجد فرصةً ليلتقط أنفاسه."
ابتسم علي بعد أن أنصت إلى صديقه باهتمام، ثم قال:
"يا محمد... لست وحدك من يشعر بذلك، فقد أصبح هذا الضجيج جزءًا من حياة كثيرٍ من الناس.
والعجيب أن بعضهم يقول: إذا ابتعدت عن هذه الأشياء أشعر وكأنني أموت!
يا إلهي... ألهذه الدرجة أصبح الهاتف يتحكم في مشاعرنا، ويقود إيقاع حياتنا؟
وفي المقابل، أعرف أشخاصًا يعيشون بهدوء. لا يطاردون كل خبر، ولا يتابعون كل منشور، ولا يعنيهم أن يكونوا حاضرين في كل لحظة. يختارون ما ينفعهم، ويتركون ما يرهقهم، ولذلك يعيشون أكثر راحةً وطمأنينة."
ثم صمت علي لحظة، وكأنه أراد أن يجعل صديقه يتذوق معنى السكون قبل أن يتحدث، ثم قال مبتسمًا:
”أما الحل... فهو أبسط مما تتصور.“
لسنا مطالبين بأن نهجر التقنية، فهي نعمة إذا أحسنَّا استخدامها، ولكن المطلوب أن نقودها نحن، لا أن تقودنا هي.
إننا بحاجة إلى أن ننظِّم هذا الضجيج الإلكتروني، وأن نمنح عقولنا وقلوبنا مساحةً من السكون.
ولعل هذا ما أشار إليه الإمام علي
بقوله:
«الزمِ الصمتَ يستنرْ فكرك.»
فالصمت ليس فراغًا، بل هو مساحةٌ يستعيد فيها العقل صفاءه، وتولد فيها الأفكار الهادئة، وتعود فيها النفس إلى توازنها.
ثم تابع قائلاً:
"ابدأ بخطواتٍ بسيطة:
أطفئ جميع أجهزة الاتصال لبعض الوقت، أو ابحث عن مكانٍ هادئٍ وساكن.
استقبل الصمت في حياتك، ولا تخشَ الجلوس مع نفسك.
خصص بضع دقائق كل يوم بعيدًا عن الشاشات، واجعلها عادةً دائمة.
فالإنسان يصنع عاداته، ثم تصنعه عاداته. وكما يقول الإمام علي
:
«العادةُ طبعٌ ثانٍ.»
وقال
:
«وللعادةِ على كلِّ إنسانٍ سلطانٌ.»
فإذا اعتدت أن تمنح نفسك دقائق من الصمت كل يوم، تحول الهدوء إلى جزءٍ من شخصيتك، وأصبحت أكثر قدرةً على التفكير بصفاء، وأقل استسلامًا لضجيج العالم."
ثم ابتسم علي، وقال وهو ينظر إلى صديقه:
"ستكتشف مع الأيام أن الحياة لا تُقاس بعدد الإشعارات التي تصلك، ولا بعدد الإعجابات التي تحصل عليها، بل بمقدار السكينة التي تسكن قلبك.
فأحيانًا... لا نحتاج إلى هاتفٍ أحدث، بل إلى قلبٍ أكثر هدوءًا، وعقلٍ يمنحه الصمت فرصةً ليستعيد صفاءه، وروحٍ تعرف متى تُغلق شاشة الهاتف... لتفتح نافذة التأمل والحياة."













