تنويه
قبل الوصول بدقائق، يحدث تحوّل خفي لا يظهر في الطريق، بل في طريقة النظر إليه. كأن الداخل يعيد ترتيب نفسه بهدوء.
لهذا، أذهب إلى السينما بلا توقّع، مفسحةً المجال لما يفاجئني، أنا المأخوذة بالدهشة.
خمسة عشر دقيقة تفصل منزلي عن مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، لكنها تكفي لانتقالٍ ذهني تتخفف فيه الرؤية من يقينها، وتصبح أكثر استعدادًا لالتقاط ما يتوارى خلف الظاهر.
لم تعد السينما مجرد مشاهدة، بل وسيلة لفهم ما يستعصي في الواقع؛ لا بوصفها حلًا، بل إعادة صياغة لما لا يمكن إصلاحه، على نحوٍ يمكن احتماله.
يبرز المبنى كتشكّلٍ عضوي صاغته «سنوهيتا»، لا يظهر دفعة واحدة، بل يتكشّف كما يفعل المشهد السينمائي، طبقةً بعد أخرى، لا كمعلم بصري، بل دعوة لإعادة التفكير في فعل الرؤية.
في الداخل، يبدأ الإصغاء قبل العرض. يتردد اسم أحمد الملا بكثافة لافتة؛ يُذكر ويُشكر حتى يكاد يتحول إلى إيقاع موازٍ للتجربة السينمائية.
تعبر الأفلام الشاشات، غير أن أثرها يتشكّل في المتلقي.
في اليوم الأول، يعلو التصفيق احتفاءً بالمخرجة هيفاء المنصور، كإشارة افتتاحية لما ستقوله السينما لاحقًا.
وفي اليوم الأخير، يعود التصفيق أكثر امتدادًا مع تكريم الفنان سعد الفرج، كأن التجربة تُغلق قوسها بين صوتين؛ صوت يبدأ الحكاية، وآخر يترك صداها مستمرًا.
في «هجرة»، لا يعود الطريق مسارًا، بل انقسامًا داخليًا. وفي «مسألة حياة أو موت»، يتفكك سؤال النجاة ليُعاد طرحه كاحتمال. أما «إركالا.. حلم كلكامش»، فيستدعي الأسطورة كمرآة لاغتراب الحاضر.
الأفلام القصيرة تعمل بكثافة؛ «مجهول» يفتح فراغًا، و«صرخة نملة» تمنح الهشاشة مركزها، و«بذرة» تترك أثرها بصمت.
في الوثائقي، لا تُستعاد الوقائع، بل الإحساس بها. وفي سوق الإنتاج، يشير فوز «بلاد الخزامى» إلى حيوية تتشكل خارج الضوء.
عند هذه النقطة، تتراجع قيمة الجوائز. فما يُمنح على المنصة لا يوازي ما يحدث في الداخل، وحتى خارج منطق الفوز، يظهر ما يمكن تسميته بعدالةٍ أخرى؛ حيث تمنح اللجنة تنويهًا خاصًا لأعمال لم تحصد الجائزة، لكنها ظلّت عالقة، كأنها وجدت طريقها إلى الذاكرة، لا إلى المنصة.
لأن السينما، في جوهرها، لا تعيد إنتاج الواقع، بل تجعله مرئيًا.
في لحظة الخروج، لا تعود الأشياء إلى حالها.
الطريق ذاته، غير أن النظر إليه تغيّر.













