السيد عقيل الخضراوي: طيبة إنسان وسماحة نفس
فجعت بلدتنا الوادعة القديح مساء أمس، السبت 19 محرم 1448هـ: 5 يوليو 2016 م، بنبأ رحيل أخينا العزيز السيد عقيل الخضراوي. إذ تنبهت بتوالي تنبيهات الواتس أب بعبارة: «إنّا لله وإنا إليه راجعون»، فتحت التطبيق، وإذا به الخبر المفجع والمنبئ برحيله، رحمه الله. لم يستوعب المتلقون لهذه الرسائل أن يكون الخبر صحيحًا، فلقاؤه لدى الغالبية من المشاركين في التعزية برحيله كان قريبًا، وهو الحاضر دومًا في المناسبات الدينية والاجتماعية، يشارك إخوانه في مجالس انعقادها، ولا يترك صلاة الجماعة متى تسنى له الحضور ولا إحياء المناسبات الدينية، وبخاصّة أننا نعيش هذه الأيام ذكرى عاشوراء الأليمة، حيث تتعدّد مجالس الذكر والوعظ، ويكون توقع حضوره للعديد منها ملازمًا ومتنوعًا.

رحمك الله، سيدنا العزيز، وهنيئًا لك هذه السيرة العطرة بين المؤمنين وذكراك الطيبة المرحة خفيفة الظل والروح.
تعود العلاقة بالسيد عقيل، مع بدايات ارتباطي بالتعليم الديني في مسجد السدرة، إذ كان حضوري أولًا في حلقة أستاذنا الراحل سماحة الشيخ محمد عيسى البناي، رحمه الله. وكنت حينها في الصف الأول المتوسط بمدرسة محمد بن مسلمة، التي كانت تتقاسم مع مدرسة القديح الثانوية المبنى نفسه. وكان أستاذنا أبا جعفر البناي في المرحلة الثانوية، فكنت ألتقيه وقت «الفسحة»، وكان برفقته دائمًا السيد عقيل الخضراوي الذي لا يحتاج من يقابله إلى أي مقدمات أو ممهدات ليأخذه السيد بالحديث وبناء العلاقة وكأنه يعرفه من سنوات، حيث ستجده مباشرة يناديك، مثلًا: «أهلين، أبو علي، أخبارك؟» ويبدأ معك بالنوادر وطرائف الحديث العفوي.
كما أننا، كطلَّاب، سرعان ما تعوّدنا حضور ليلة الخميس بمنزل آل عبد الحي «منزل والدة الشيخ البناي»، فكنا نلتقي السيد عقيل هناك بصورة دائمة، فهو من أبرز الحضور فيها، إذ كانت هذه الليلة ملتقى لمعظم مرتادي التعليم الديني في مسجد السدرة، أساتذة وطلَّابًا ومنظّمين، حيث كان، رحمه الله، في طليعتهم.
كان التعليم الديني بمسجد السدرة يسير بصورة عفوية تقليدية، حيث يلتزم الطلاب الحضور باختلاف أعمارهم ومستوياتهم، فإن كان أحدهم غير متقنٍ للصلاة، يلتحق بأي حلقة شاء من حلقات تعليم الصلاة، فيتلقّاه أستاذ الحلقة مرحبًا به، ويشجّعه على أخذ مكانه بين زملائه، وسرعان ما يتعرّف ما يحتاجه لتعلّم أفعال الصلاة وما يستتبع ذلك من تعرّف أحكام الوضوء والطهارة. كما أن ترديد زملاء الحلقة لهذه الأفعال تساهم في تعلّمها وسرعة إتقانها من قبل الوافد الجديد. وكانت هذه الحلقات الخاصّة بتعليم الصلاة في الطابق الأرضي من المسجد.
وبعد إتقان الصلاة، ينتقل الطالب إلى إحدى حلقتي الطابق العلوي، حيث كانتا وقتها بقيادة سماحة الشيخ محمد عيسى البناي، رحمه الله، قبل أن يتزيَّا بالزي العلمائي، والخطيب الحسيني الأستاذ الفاضل سعيد العبيدان، حفظه الله، قبل أن يرتقي المنبر خطيبًا حسينيًّا بارزًا. وفي هاتين الحلقتين، تتنوّع الدروس إلى شتى المعارف الإسلامية بين: الفقه والتفسير والسيرة والأخلاق والعقيدة. ولم تكن حينها خاضعة لمنهج محدد أو دروس مقرّرة، وإنما يجتهد الأستاذان في التحضير اليومي بما يتناسب وأعمار طلاب الحلقتين.
ولكنه لم يبقَ على هذه الحال طويلًا، إذ أخذ بعض الأساتذة بالتخطيط لوضع منهجية واضحة ومستويات عمرية محددة، يدرس فيها كل طالب ما يتناسب ومرحلته العمرية، وهو ما استلزم تحديد ما يشبه التقويم السنوي، بحيث تكون هناك دورات متتالية محددة البداية والنهاية وطبيعة ما يقدم فيها، يعلن عنها، ويبدأ الأهالي بتسجيل أبنائهم فيها.
وكان السيد عقيل، من أبرز المساهمين في استحداث هذا النوع من التحديث في التعليم المسجدي، حيث كان يتولى تسجيل الطلاب وتوزيعهم في الحلقات، حسب الأعمار والمستويات، ومتابعة توزيع المعلمين لكل حلقة، وإعداد قوائم كل حلقة منفردةً، وبعد ذلك تهيئة المكان والإشراف عليه، وتدارك ما قد يقع من أخطاء.
لم يكن السيد عقيل، رحمه الله، ملتزمًا بتعليم إحدى الحلقات، ولكنه كان حاضرًا بصورة دائمة، فيغطي أي نقص، فتجده ملتزمًا بإحدى الحلقات هذا اليوم لغياب معلمها، وفي اليوم التالي ملتزمًا بحلقة أخرى. وفي أيام كثيرة يتابع معظم المشكلات الإدارية والتوجيهية الخاصّة بالطلاب والمعلمين. كما أنه في العادة يكون أول الحاضرين وآخر المنصرفين من المسجد. ولعل العديد من المعلمين لم يكن ليجد أي خلل في يومه الدراسي؛ لأن أي خلل سيكون السيد عقيل حاضرًا يعالجه بكل عفوية وهدوء دون أن يشعر البقية بأي تغيّر أو حدث وقع حينها.
كان الحلقات الدراسية منتظمة في تعليمها وسير برامجها التربوية بكل انسيابية، فالسيد عقيل كان شعلة من بداية اليوم الدراسي وحتى منتهاه يشرف على سير الأمور بأريحية إيمانية عالية، وروحية مرحة، لا يشعر معه المعلمون والقائمون على التعليم بأي تكلّف أن سأم أو كلل. كما أن طبيعته المنظّمة والدقيقة في العمل تؤثر على انتظام التعليم بصورة كبيرة، ولذلك من النادر وقوع ذلك الخلل المؤثر طوال فترة الدورات التعليمية التي استمرّت لسنوات.
التوجيهي ودور السيد عقيل التوثيقي:
كان من عادة الإخوة القائمين على دورات مسجد السدرة أن يتوجّهوا بعد انتهاء البرنامج التعليمي عصرًا إلى منزل الملا حسن المقيلي، حيث كان يجلس وبحضور ابنه الشيخ صادق المقيلي «رحمهما الله»، وهو المنزل القريب جدًّا من مسجد الإمام علي
، ومع اقتراب موعد أذان المغرب، يتوجّهون إلى المسجد للصلاة خلف الشيخ عباس العنكي، حفظه الله، وبعد صلاة العشاءين يلتزم أكثرهم حضور الدرس الليلي، الذي كان الشيخ العنكي ينوعه بين: الفقه والتفسير والعقيدة. ويضاف إلى هذه الدروس الليلية كلمات الجمعة. وكان ما يطرحه سماحة الشيخ العنكي متميّزًا في أسلوب عرضه وطبيعة ما يلقيه، ما جذب عددًا كبيرًا من الشباب لالتزام هذه الدروس وكلمات الجمعة.
وكان للسيد عقيل الخضراوي دور كبير جدًّا في حفظ وتسجيل هذه الدروس بصورة ليلية، وكذلك أسبوعية بخصوص كلمات الجمعة. ومما يميّز هذه الدروس أنها كانت سهلة التناول لمعظم مستويات أبناء المجتمع، من حيث سهولة لغتها وتطعيمها بالأمثلة والطرائف التي كانت تساعد في بيان الفكرة وشرحها. وكان السيد عقيل منظّمًا لدرجة كبيرة، بحيث كان يكتب على كل شريط اليوم والتاريخ والمناسبة وعنوان البحث، ثم يجمع المتشابه مع بعضه، فتجد تسجيلات يوم الجمعة مع بعضها، وتسجيلات دروس التفسير مع بعضها، والأحكام الشرعية مع أخواتها، وهكذا. ولم يكن يبخل على أي شخص يطلبها بنسخها أو إعارتها. فقد طلبتها منه استعارة أكثر من مرة، إذ تشكل دورات علمية في العديد من المعارف الإسلامية. فجزاه الله خير الجزاء على ما بذله من جهد ومال ومتابعة حثيثة نادرة في حينها.
مرت المنطقة، كما غيرها من المناطق والمجتمعات، ببعض الفتن والمشكلات المجتمعية، وكان من أصعبها ما طرأ على المجتمع من اختلافات بشأن النزعات الفكرية أو الانتماءات إلى بعض التوجهات، وبخاصة بعد رحيل المرجع الديني السيد أبي القاسم الخوئي «ره» «ت 1413هـ»، حيث ظهرت بعض النزاعات حول الاتجاه نحو التقليد الشرعي. ولا تقل عنه بعض النزعات الفكرية التي تعصف بأي مجتمع. ولأنها نزعات ذات ارتباط بالشأن الديني، فإن الجماعات الدينية ستكون هي محط الاختبار في هذه المحكّات والمحطّات. وخلال هذه النزاعات، كان السيد عقيل بعيدًا عنها في اتخاذ مواقف تجاه أي طرف، فقد كان هيّنًا ليّنًا مع إخوانه المؤمنين ويبادلهم المودّة والاحترام، ولم يلمس منه أحد أي موقف عدائي أو حدّة في التعامل أو تجاوز. لقد كان أخًا للجميع، ولم يكن لهذه العواصف أي أثر على أي علاقة مع أي توجّه.
وكان دائم السؤال عن الجميع، وعندما تلتقيه، تجده عارفًا بأحوال أصدقائنا ومتابعًا لها، فيعود المريض ويواسي الفاقد ويتّصل بالبعيد، مع أن ظروف عمله لا تسمح له بذلك الوقت في المتابعة والاهتمام.
ولا أنسى معروفه معي أيام كنت طالبًا في كلية المعلمين، إذ كان في أيام كثيرة يصطحبني إلى مقرّ عمله في الدمام الذي لم يكن بعيدًا عن الكلية، فكان في كل مرة ألتقيه يذكرني بأنه يخرج إلى عمله في الساعة الفلانية، ويمكنني أن أنتظره في المكان الفلاني، حتى يخفف عليّ موضوع الذهاب للكلية.
رحمك الله سيدنا الغالي، أبا السيد محمد، رحلت نقي الثياب طاهرها، طيب القلب، عاشقًا لأوليائك من عترة بيت نبيك، صلوات الله عليهم أجمعين. هنيئًا لك هذه السيرة النقية العطرة والذكرى الخالدة في نفس المؤمنين.













