آخر تحديث: 5 / 7 / 2026م - 9:14 م

التعارف بين الحضارات ودوره في تحقيق فرص السلام العالمي

مقاربة في العدالة المعرفية وإدارة الاختلاف

مدخل: يمثل التنوع بين الشعوب والثقافات أحد السنن الإلهية الحاكمة للحياة الإنسانية، وهو واقع لا يمكن تجاوزه أو إلغاؤه؛ لأن الاختلاف في الانتماءات والهويات والثقافات جزء من طبيعة الاجتماع البشري، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف نفسه، وإنما في الكيفية التي ينظر بها الإنسان إلى المختلف، وفي طبيعة المعرفة المتبادلة بين الجماعات الإنسانية. فكثير من الأزمات التي تعاني منها المجتمعات، وكثير من صور التوتر بين الأمم والحضارات، تنشأ من الجهل المتبادل بين الناس، ومن الانطباعات المسبقة التي تتشكل عن الآخر عبر الشائعات والخطابات المنحازة والوسائط الإعلامية المضللة؛ ولذلك يمكن القول: لو عرفت الآخر لعذرته، ولو فهمت سياقه لأدركت أسباب اختلافه.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التعارف الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: 13]. فالآية الكريمة تشير إلى سنة التنوع والتعدد من جهة، وتكشف عن الغاية الحضارية لهذا التنوع من جهة أخرى؛ إذ جعلت التعارف وظيفة إنسانية تنتج آثارًا تتجاوز حدود المعرفة المجردة، لتشمل بناء الثقة، وترسيخ الحقوق، وتحقيق السلم الاجتماعي والإنساني. [1] 

وتحاول هذه الورقة البحثية بيان دور التعارف في بناء حوار الحضارات، والكشف عن علاقته بإمكانات السلام العالمي، من خلال قراءة معرفية لمفهوم التعارف وآثاره الاجتماعية والحضارية، مع وقفة موجزة عن المشهد الحضاري الراهن.

أولاً: مفهوم حوار الحضارات

بحسب كتاب ”من حوار الحضارات إلى حضارات الحوار: رؤية تقويمية“ للدكتور زهير سوكاح، فإن حوار الحضارات لا يُقصد به مجرد تبادل المجاملات أو عقد المؤتمرات، بل هو عملية تواصل بين الحضارات المختلفة تقوم على الفهم المتبادل، والاحترام، والتعاون، والاعتراف بالتعددية الحضارية والثقافية، بهدف معالجة المشكلات المشتركة وتحقيق السلم الإنساني؛ فالحوار ليس جدلًا فقط لإفحام الآخر، ولا تفاوضًا لفرض حلول مسبقة، وإنما وسيلة للتفاهم والتواصل الفكري بين الأطراف المختلفة، بحيث يسعى كل طرف إلى فهم الآخر واحترامه. والحضارة مجموع الإنجازات المادية والمعنوية والقيمية التي تنتجها جماعة بشرية معينة، وتمثل نمط حياتها وثقافتها وتاريخها؛ ومن ثم فإن حوار الحضارات هو: عملية تفاعل وتواصل بين الحضارات المختلفة، تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات الثقافية، وتفعيل المشترك الإنساني، بعيدًا عن منطق الهيمنة والصراع [2] .

وحسب رؤية روجيه جارودي فإن الحوار يقوم على الاعتراف بتعدد مصادر الحضارة الإنسانية؛ فالحضارة الغربية ليست نتاجًا ذاتيًا خالصًا، بل ترجع جذورها إلى حضارات آسيا وإفريقيا، ولا سيما مصر وبلاد الرافدين، ويرى أن الحوار يرفض فكرة المركزية الحضارية والتفوق المطلق لحضارة واحدة؛ لأن اختزال العالم في النموذج الغربي أدى إلى نزعة السيطرة والعنف، بينما يقتضي المستقبل إعادة اكتشاف إسهامات الثقافات الأخرى [3] .

ومعنى ذلك أن النهوض الحضاري يتحقق بالاشتراك، لا بالانفراد، وحتى الشعوب المقهورة، أسهم وجودها المادي الذي يتضمن الثروات والخيرات، في تحقيق ما آلت إليه الحضارة الغربية، فضلاً عن التراث الإنساني المشترك الذي ورثته البشرية عبر التاريخ، الذي أفاد منه الغرب في تطوره بنحوٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشر.

إن العزلة الحضارية تؤدي إلى التخلف، والعالم الإسلامي عاش زمنًا طويلًا حالة من العزلة والاستقرار البطيء، الأمر الذي جعله متأخرًا عن الحركة السريعة للمجتمعات المتطورة؛ ولذلك أصبح اليوم في حاجة ماسة إلى فهم حركة العالم، بعد أن انهارت الحواجز بين الحضارات والمجتمعات بسبب التقدم العلمي وسرعة انتقال المعرفة التي تؤدي إلى إزالة الحواجز التقليدية بين المجتمعات، ومن لا يواكب هذه التحولات، يبقى خارج مسار الحوار الحضاري.

ثانياً: التعارف كنظام لإنتاج المعرفة الاجتماعية

حسب رؤية زكي الميلاد فإن التعارف يمثل البنية التأسيسية لحوار الحضارات؛ لأن المعرفة المتبادلة بين الأمم والشعوب تسبق الحوار وتمنحه شروطه الموضوعية؛ ومن ثم فإن التعارف ليس نتيجة للحوار الحضاري، بل مقدمة لازمة له، وبدونه يتحول الحوار إلى تواصل شكلي يفتقر إلى الفهم الحقيقي للآخر.

واعتادت الأدبيات الأخلاقية النظر إلى التعارف باعتباره قيمة إنسانية أو سلوكًا محمودًا، لكن الحاجة تقتضي إعادة النظر إليه على أنه نظام لإنتاج المعرفة المتبادلة بين الجماعات والأفراد. فالتعارف لا يقتصر على مجرد الاطلاع على معلومات عامة عن الآخر، وإنما يعني فهم بنيته الثقافية والقيمية، وإدراك دوافعه وسياقاته، والانتقال من معرفة الصورة الإعلامية والانطباع عنه، إلى معرفة الحقيقة.

وعلى هذا الأساس، فإن التعارف يمتلك أدواته الخاصة، كالحوار، والتواصل الثقافي، والسرديات المشتركة، كما يمتلك مخرجاته المتمثلة في الثقة والاعتراف المتبادل وتوزيع الحقوق بصورة عادلة.

ومن هنا يمكن التمييز بين وفرة المعلومات وبين تحقق التعارف الحقيقي؛ فقد تمتلك المجتمعات المعاصرة كمًا هائلًا من المعلومات عن الآخرين، لكن ذلك لا يعني فهمهم فهمًا حقيقيًا، بسبب هيمنة الصور النمطية والانطباعات المسبقة الناتجة عن مشكلات الإعلام.

ثالثاً: التعارف شرط معرفي لتأسيس العدالة

يمكن قراءة قوله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا كقاعدة تأسيسية للعدالة الاجتماعية والإنسانية؛ لأن العدالة لا يمكن أن تتحقق تجاه مجهول، ولا يمكن الاعتراف بحقوق جماعة أو ثقافة ما من دون معرفة حقيقية بها، حيث يؤكد المفسرون أن الآية أبطلت معايير التفاضل القائمة على النسب والعرق، وجعلت التقوى وحدها معيار الكرامة [4] .

ومن هنا يمكن الحديث عن مفهوم ”العدالة المعرفية“، ويقصد بها حق الأفراد والجماعات في أن يُعرَفوا وفق حقيقتهم، لا وفق الصور التي يصنعها الخصوم أو الإعلام. وقد أدى غياب هذه العدالة إلى نشوء كثير من الأحكام المسبقة، وإلى انتشار الصور الاختزالية التي أسهمت في إنتاج النزاعات والصراعات بين الشعوب؛ لذلك تبرز أهمية مصطلح ”تعارف الحضارات“ الذي كتب فيه الأستاذ زكي الميلاد، إذ يمثل المصطلح نافذة مهمة في الكشف عن مستوى أعمق من مصطلح حوار الحضارات؛ لأن الحوار هنا يغدو أحد وسائل التعارف، والتعارف يمثل حالة من التواصل والتكامل الذي ينحو منحى البناء، وليس مجرد تحقيق السلم.

إن الجهل بالآخر قاد الأوروبيين إلى النزاع والحرب مع ما عُرف في أدبياتهم بالحروب الصليبية، والتعارف قادهم إلى مسلك آخر تمثل في النهوض بأكبر عملية استكشافية عُرفت في أدبياتهم بحركة الاستشراق.

بشأن النموذج الأول، مثَّل المغول في علاقتهم بالحضارة الإسلامية أقوى نموذج يُقاس به علاقة الجهل بالعداء، وعلاقة التعارف بالسلام؛ فالجهل قادهم في النصف الثاني من القرن السابع الهجري ”النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي“ إلى القيام بأكبر عملية تدمير تعرضت لها الحضارة الإسلامية في عصرها، ووُصفت هذه العملية في كتب التاريخ القديمة والحديثة بأوصاف الوحشية والبربرية والهمجية، وقضت على مراكز العلم والفن والثقافة في حضارة المسلمين.

والمدهش في سيرة هذه الجماعة التي وُصفت بالبدائية والبربرية، أنها بعد أن أحكمت سيطرتها على أجزاء كبيرة من أقطار الحضارة الإسلامية وضمتها إلى إمبراطوريتها الواسعة، وبعد فترة من التوطن في هذه الديار الإسلامية، حدث تحول عظيم لم يكن في الحسبان؛ فقد انقلبت هذه الجماعة على ذاتها، واعتنق حكامها الإسلام، واندمجوا في حضارة المسلمين، ومثّلوا عصرًا بات يُؤرّخ له في تاريخ عصور الحضارة الإسلامية. ولا شك أن التعارف الذي تهيأت لهم أرضياته في الديار الإسلامية هو الذي قادهم إلى هذا التحول العظيم [5] .

ولا يقف التعارف عند حدود التواصل الشكلي، بل يتجه إلى بناء معرفة متبادلة تولِّد الاحترام والتعاون والتعايش؛ لذلك يطرح الميلاد التعارف بديلًا عن ثنائية ”صدام الحضارات“ و”حوار الحضارات“، معتبرًا أن المعرفة الحقيقية بالآخر هي الشرط الذي يسبق أي حوار ناجح، وقد سعى من خلال هذه النظرية إلى تجاوز الطرح التقليدي للعلاقات الحضارية، والانتقال إلى رؤية جديدة تعبّر عن قدرة الفكر الإسلامي على إنتاج حلول منبثقة من ذاتيته الحضارية. [6] 

رابعاً: من مجتمع الانطباع إلى مجتمع المعرفة

عاش العالم مرحلتين في تلقي المعرفة، الأولى مرحلة قصور مصادر المعرفة، وتَعسُّر الإحاطة التامة بالكتب والمصادر إلا عند المختصين والنخبة، والثانية مرحلة الوفرة مع تطور وسائل الاتصال، وفي هذه المرحلة ساد التلقي السريع الذي لا يحقق في الغالب سوى الانطباع والاطلاع السطحي؛ فقد أصبحت المجتمعات الحديثة تعتمد في معرفة الآخر على الوسائط الإعلامية والمنصات الرقمية أكثر من اعتمادها على التجربة المباشرة، ونتيجة لذلك، تشكلت أنماط جديدة من الوعي تقوم على معرفة الآخر بواسطة الصور والتمثيلات التي تنقلها الوسائط المختلفة.

وفي ظل هذا الواقع، أصبحت الشائعة والإعلام المضلل والخوارزميات المنحازة عوامل مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي، حتى باتت بعض صور الكراهية المعاصرة ناتجة عن جهل منظم أكثر من كونها ناتجة عن اختلاف حقيقي؛ لذلك يمكن أن يكون التعارف الحقيقي وسيلة لمقاومة التشويه المعرفي، وأداة لتصحيح الانطباعات التي تشكلت بعيدًا عن الواقع.

وهذه المشكلة سادت بين الحضارات والمجتمعات، وفي داخل الحضارة ذاتها؛ فصراع الهويات كان وما يزال بحاجة إلى التعارف، من أجل تحقيق التماسك الداخلي بين مختلف الهويات. والتماسك الحضاري الداخلي مهم أيضًا في تجاوز عقبة الانطباعات الزائفة بين الهويات الفرعية في المجتمعات؛ لأن تفسير صعود الحضارات وسقوطها لا يقتصر على العوامل الأخلاقية، بل يرتبط بعوامل موضوعية متعددة، وهو ما يظهر في تفسير مونتسكيو لأسباب انحطاط روما، إذ أرجع ذلك إلى التوسع الجغرافي، وفقدان روح المواطنة، واختلال البناء الداخلي للمجتمع، مما يدل على أن قوة الحضارات أو ضعفها ترتبط بمدى تماسكها الداخلي وقدرتها على المحافظة على مقوماتها الأساسية [7] .

خامساً: مستويات التعارف وآثارها في استقرار التعايش

يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات للتعارف:

1. التعارف الإدراكي: ويقصد به معرفة المعلومات الأساسية عن الآخر.

2. التعارف التفسيري: ويعني فهم دوافعه وسياقاته الثقافية والاجتماعية.

3. التعارف القيمي: ويقصد به الاعتراف بحقه في الاختلاف، والإقرار بمشروعية وجوده ضمن المجال الإنساني المشترك.

ولا يستقر التعايش الإنساني إلا عند تحقق المستوى الثالث؛ لأن مجرد المعرفة لا تكفي لبناء السلام، ما لم تتحول إلى اعتراف واحترام متبادل. إن تأطير التعارف والتواصل بالقيم، والحق المشترك في تعريف الذات والتعبير عنها وحفظ الخصوصيات الثقافية، ومقاومة كل ما يهدد الهوية أو يذوبها؛ كل ذلك من شأنه أن يحقق التماسك الداخلي من جهة، وتحقيق العدالة المعرفية في الحكم على الآخر، مما يفضي إلى صيغة عادلة على مستوى التعامل مع الآخر، وتذويب بؤر الخلاف، وتقليل فرص الصراع.

إن استقرار التعايش يمثل أحد أبرز غايات التعارف؛ لأن التعايش غالبًا ما يُصاغ على نحو مرحلي أو طارئ، في حين يمثل الاستقرار أحد أبرز استراتيجيات التعارف والحوار؛ لأن الأهداف الكبرى التي تصب في مصلحة الجميع لا تتحقق في ظل الظروف الطارئة والمرحلية، بل تحتاج إلى حالة من الثبات والاستقرار.

سادساً: التعارف وحوار الحضارات

لا يمثل حوار الحضارات غاية مستقلة، وإنما يُعد إحدى الوسائل العملية لتحقيق التعارف بين الأمم والثقافات؛ فالحوار الحقيقي لا يستهدف إلغاء الخصوصيات الحضارية، ولا يسعى إلى صهر الهويات المختلفة، وإنما يهدف إلى بناء فهم متبادل يسمح لكل طرف بأن يعرّف نفسه بنفسه، لا أن يُعرَّف من خلال خصومه.

وعندما يتحقق هذا الفهم، يتحول الاختلاف إلى مصدر للإثراء الحضاري، وتصبح التعددية عاملًا من عوامل التكامل الإنساني، إذ يبين المفسرون أن الإسلام يؤسس لعلاقات التعاون بين البشر في دائرة الخير المشترك [8] .

إن المعطى القيمي في الأديان لم يكن ليمثل المشهد المتصدر في خطابات الأديان، لذلك كانت فرص الحروب والصراع سانحة في الغالب؛ لذا لا بد من تمييز الثابت القيمي في الخطاب الديني، والذي يمهد السبيل إلى إيجاد صيغة عادلة للتعامل مع الآخر، وإدارة الاختلاف لا تكون عبر مفاصل ظرفية أو متغيرة، بل تحتاج إلى خطاب ثابت مستقر ليحقق غايات التكامل والتعايش بنحوٍ أمثل.

إن الحضارات محكومة بسنن تاريخية تحدد طبيعة نموها وتطورها وصعودها ونزولها، وهذا كله يحتاج إلى وعي مستمر لفلسفة التاريخ، وتواصل دائم بين النخب الحضارية في كل مجتمع، والتي من شأنها أن تحقق نموذجًا من التعارف المنتج [9] .

وعندما يطرح الدين الإسلامي من خلال القرآن الكريم ”التعارف“ كقيمة وغاية ثابتة، فإنه يسهم في عملية موازنة بين عوامل النهوض والنكوص الحضاري، وهو ما يجدر الالتفات إليه في استجلاء مقاصد الدين، من حيث كونها مقاصد تجمع لا تفرق، وتقدم فرص الالتقاء لا التقاطع بين البشر.

سابعاً: التعارف كرأس مال اجتماعي

يُعد مفهوم رأس المال الاجتماعي بوصفه أحد أكثر المفاهيم انتشارًا في العلوم الاجتماعية خلال العقود الأخيرة، إذ انتقل من المجال الأكاديمي إلى الخطاب العام والسياسات العامة، حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه أداة لتفسير كثير من الظواهر الاجتماعية ومعالجة مشكلات المجتمع.

إن فكرة رأس المال الاجتماعي ليست جديدة تمامًا، بل تعود جذورها إلى التصورات الكلاسيكية في علم الاجتماع التي ركزت على أهمية الروابط الاجتماعية والمشاركة الجماعية في الحد من التفكك الاجتماعي وتعزيز تماسك المجتمع، وقد أسهم الاهتمام المتزايد بهذا المفهوم في إعادة قراءة التراث السوسيولوجي القديم وربطه بالقضايا المعاصرة [10] .

إن أهمية رأس المال الاجتماعي تنبع من قدرته على إبراز الأبعاد غير المادية للثروة والقوة داخل المجتمع، مثل الثقة والتعاون والشبكات الاجتماعية، باعتبارها موارد يمكن أن تؤثر في التنمية والسلطة وصنع السياسات، تماماً كما تؤثر الموارد الاقتصادية التقليدية.

وعليه يُعد التعارف موردًا استراتيجيًا للمجتمعات؛ لأن المعرفة المتبادلة تولد الثقة، والثقة تنتج التعاون، والتعاون يقود إلى الاستقرار، وإن جعل الناس شعوبًا وقبائل إنما هو لتنظيم الروابط الاجتماعية وإقامة الحياة الإنسانية على أساس التعارف [11] .

وعليه، فإن بناء فرص السلام العالمي لا يقتصر على الاتفاقات السياسية أو موازين القوة، وإنما يعتمد على تأسيس ثقافة تعارف متبادل بين الحضارات، تبدأ من التعليم والإعلام، وتمر بالحوار الثقافي، وتنتهي ببناء منظومة حقوق تعترف بالاختلاف وتحميه.

ثامناً: المشهد الحضاري الراهن، قراءة نقدية

إن أحداث الحادي عشر من أيلول كشفت عن أزمة حضارية عالمية، وعن شكل جديد من الصراع الذي تجاوز الحدود التقليدية للحروب، إذ أصبح العالم كله منخرطًا في دائرة عنف كوني موحد، وأصبحت العولمة نفسها إطارًا لهذا الصراع، وقد أصبح العنف سيد الأحكام، وأن العالم توحد قسرًا عبر العنف لأول مرة، بما يجعل العنف ظاهرة كونية لا محلية [12] .

وأصبحت المركزية الأمريكية نموذجًا حضاريًا مهيمنًا، وما يسمى بالتاريخ الأمريكي ليس إلا امتدادًا لتاريخ أوروبي قام على إقصاء الآخر وإعادة تشكيل العالم وفق رؤيته الخاصة؛ لأن اكتشاف أمريكا بداية لعملية حضارية قائمة على السيطرة وإعادة تسمية العالم وإدخاله ضمن النسق الغربي.

ومن جهة أخرى، أوروبا أعادت إنتاج التاريخ وفق منظورها، فجرى تهميش الحضارات والشعوب الأصلية، وتحولت عملية الاكتشاف والاستعمار إلى وسيلة لفرض نموذج حضاري جديد على العالم، بحيث أصبح الآخر موضوعًا للهيمنة والتشكيل لا شريكًا في التاريخ.

إن العنف المعاصر هو نتيجة مباشرة لاختلال التوازن الحضاري الذي أحدثته العولمة؛ فالعالم الذي بدا موحدًا اقتصاديًا وتقنيًا بقي منقسمًا ثقافياً ورمزيًا، الأمر الذي أدى إلى ظهور أشكال جديدة من المقاومة والعنف المضاد، وأصبح الصراع يدور بين قوة عالمية تسعى إلى التعميم الشامل، وقوى أخرى تحاول الحفاظ على خصوصياتها وهوياتها.

ولا بأس بالإشارة إلى الفرص الضائعة للحوار الحضاري من قبيل دخول الأوروبيين إلى القارة الأمريكية وإبادة مجتمعات الأزتك والمايا، وكذلك حضارات الشرق مثل الصين والهند، إذ لم يحدث تعارفٌ أو حوارٌ بين الشرق والغرب في تلك الحقبة، كما هُدرت فرصة التعارف والحوار إبان الصراع الإفرنجي الإسلامي، وغيرها كثير من الفرص.

الخاتمة

إن الحاجة إلى الحوار تنشأ من وجود الصراع، والصراع غالبًا ما يكون ثمرة للقطيعة، والقطيعة وليدة الجهل بالآخر، والجهل بالآخر نتيجة غياب التعارف والحوار؛ ومن هنا جاء القرآن ليجعل التعارف غاية إنسانية بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة عابرة لتحقيق مصالح مؤقتة. ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات: 13]، لم يجعل القرآن التنوع سببًا للصدام، وإنما جعله مدخلًا للتعارف، والتعارف ليس معرفة شكلية بالآخر، بل هو عملية مستمرة لتصحيح الصور الذهنية، وفهم الخصوصيات، وبناء الثقة المتبادلة، وبقدر ما يتسع مجال التعارف تتضاءل مساحات الجهل، وبزوال الجهل تنحسر القطيعة، ومع انحسار القطيعة تخف أسباب الصراع، فتتعزز فرص السلام والتعايش.

وبذلك يمكن القول إن السلام لا يبدأ من إنهاء الصراع، بل يبدأ من بناء التعارف؛ لأن التعارف في الرؤية القرآنية يمثل الأصل، بينما الصراع يمثل حالة طارئة تنشأ عندما يفشل الإنسان في معرفة الآخر وفهمه. ومن هنا يمكن القول إن الناس لو عرف بعضهم بعضًا كما أراد القرآن الكريم، لتراجعت أسباب الصراع؛ لأن أكثر الخصومات تبدأ من الجهل، وأكثر صور الجهل تنشأ من غياب التعارف.

تكشف القراءة القرآنية لمفهوم التعارف عن بعد حضاري يتجاوز المعنى الأخلاقي التقليدي، إذ يرد التعارف قرآنيًا باعتباره شرطًا معرفيًا لتأسيس العدالة، وآلية لإنتاج الثقة، ومدخلًا لإدارة الاختلاف، وأداة لمواجهة التشويه الذي تصنعه الوسائط المعاصرة في إدراك الآخر. ومن ثم، فإن السلام العالمي لا يبدأ من إلغاء الاختلاف، وإنما يبدأ من حسن إدارته عبر المعرفة المتبادلة؛ فالتعارف ليس نتيجة للتعايش، بل هو شرط سابق عليه، كما أن حوار الحضارات لا يهدف إلى إزالة التعدد، وإنما إلى تحويله إلى مصدر للتكامل والتعاون الإنساني.

أهم النتائج:

1. التنوع بين الشعوب سنة إلهية ثابتة، والتعارف يمثل الوظيفة الحضارية لهذا التنوع.

2. أغلب مشكلات التعايش تعود إلى الجهل المتبادل والانطباعات المسبقة.

3. التعارف يمثل شرطًا معرفيًا لتأسيس العدالة وحماية الحقوق.

4. حوار الحضارات يُعد وسيلة لتحقيق التعارف، وليس غاية مستقلة.

5. الإعلام المضلل والخوارزميات المنحازة يسهمان في إنتاج صور مشوهة عن الآخر.

6. السلام العالمي يرتبط ببناء ثقافة التعارف أكثر من ارتباطه بعوامل القوة وحدها.

7. إدارة الاختلاف عبر المعرفة المتبادلة تمثل أحد أهم مداخل تحقيق السلم العالمي.

[1]  الطباطبائي، الميزان، ج 18، ص 325- 350.

[2]  ظ: زهير سوكاح، من حوار الحضارات إلى حضارات الحوار، ص 17-19، إصدار كلية الشريعة والدراسات الإسلامية/قطر 2018

[3]  ظ: روجيه غارودي، حوار الحضارات: ص 10-17، عويدات للنشر، بيروت، 1999

[4]  ظ: الطبرسي، مجمع البيان، ج 9، ص 206.

[5]  ظ: زكي الميلاد، الموقع الرسمي

[6]  ظ: غاوي يمينة، نظرية تعارف الحضارات عند زكي الميلاد، مذكرة تخرج، كلية العلوم الإنسانية، الجزائر، 2022

[7]  ظ: د. عبد الحليم مهورباشة، فلسفة التاريخ، مدخل إلى النماذج التفسيرية للتاريخ الإنساني، ص 16، ط 1 بيروت 2016

[8]  ظ: الطباطبائي، الميزان، ج 5، ص 176.

[9]  ظ: د. عبد الحليم مهورباشة، فلسفة التاريخ، مدخل إلى النماذج التفسيرية للتاريخ الإنساني، ص 45-55، ط 1 بيروت 2016

[10]  ظ: أليخاندرو بورتيز، رأس المال الاجتماعي، أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحديث، ت ثائر ديب، ص 122 مجلة عمران، عدد 27/7

[11]  ظ: الطباطبائي، الميزان، ج 18، ص 325.

[12]  ظ: جان بوديار، إدغار موران، عنف العالم، ص 10، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط 1,2005
أستاذ مساعد دكتوراه في كلية الفقه بجامعة الكوفة في العراق