آخر تحديث: 5 / 7 / 2026م - 9:14 م

تصالحت إيران وأمريكا أم لم تتصالحا.. مسار مجلس التعاون مجدي

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

تصالحت إيران وأمريكا أم لم تتصالح، ينبغي أن يكون خليجنا واحداً. هل هذه فرضية تقوم على رؤية أم على حلم قد لا يتحقق؟!

هذه الفرضية رؤية استراتيجية عميقة تؤكد أن وحدة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تمثل ضرورة مستقلة عن أي تقارب أو تصالح محتمل بين إيران والولايات المتحدة. فالفرضية ترى أن أي انقسام أو ضعف داخل التكتل الخليجي سيجعله الخاسر في أي معادلة إقليمية مستقبلية، بينما تعزز الوحدة الاقتصادية والسياسية من قدرته على حماية مصالحه الاستراتيجية سواء في ظل التوتر أو التهدئة. وتتسق هذه الرؤية مع الشواهد التاريخية والاقتصادية، سواء في عصر ما قبل النفط أو بعده، وفي مرحلة التنويع الاقتصادي الراهنة، وحتى في أوقات التهديدات الجيوسياسية والجيواقتصادية، فقبل اكتشاف النفط بأرداحٍ من الزمن كانت منطقة الخليج العربي تشكل وحدة اقتصادية وتجارية طبيعية. ازدهرت فيها حضارات متلاحقة من دلمون في البحرين كمركز تجاري حيوي يربط بين بلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية والهند منذ حوالي أربعة آلاف سنة.

وفي العصور الإسلامية، اعتمد اقتصاد الخليج على الصيد والغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية، حيث كانت الموانئ مثل العجير والبصرة ومسقط والمنامة والقطيف تتفاعل في شبكة مترابطة. هذا الترابط ما كان يحدث عرضاً بل كان يتطلب تنسيقاً إقليمياً - بطريقة أو بأخرى - لمواجهة التحديات المشتركة كالقرصنة أو تقلبات التجارة العالمية. وهكذا، لم يكن الخليج مجموعة من الكيانات المتباعدة والمستقلة في مساراتها دون اعتبار لمحيطها العربي، بل كان فضاءً اقتصادياً موحداً جغرافياً واقتصادياً.

مع اكتشاف النفط في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، تحولت المنطقة إلى مركز طاقة عالمي، لكن هذا التحول أبرز أيضاً الحاجة إلى التعاون الجماعي. جاء تأسيس مجلس التعاون عام 1981 كرد فعل استراتيجي مباشر على التهديدات الجيوسياسية التي عايشتها المنطقة في فترة 1979-1981. وقد نجح المجلس في تحقيق تقدم ملموس في الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، مما ساهم في استقرار اقتصادي جماعي رغم التقلبات النفطية. ومن الشواهد على فعلية المجلس، ما كشفتهُ حرب الخليج 1990-1991 من مقادر أهمية هذه الوحدة في مواجهة التهديدات الخارجية المباشرة. ففي أغسطس 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت، مما شكل تهديداً وجودياً تصدت له دول المجلس بحسم، وأظهرت هذه الأزمة أن التهديدات الخارجية لا تميز بين دول المجلس، وأن التنسيق الجماعي كان عاملاً حاسماً في استعادة الاستقرار الإقليمي. كما عززت الأزمة من التعاون الأمني داخل المجلس، وأكدت أن الوحدة تحول دون استغلال الخصوم لأي ثغرات داخلية.

وكذلك ومن رحم التحديات ولدت قمة العُلا عام 2021 لتعيد التأكيد على أهمية المصالحة والتوافق الخليجي؛ فالانقسام يضعف موقف دول الخليج مجتمعة أمام التحديات الخارجية، ويمنح خصوماً إقليميين فرصة للتدخل أو التأثير. وهكذا، أصبحت الوحدة الخليجية ضرورة ملحة لتجنب تكرار مثل هذه الانقسامات التي قد تجعل التكتل أكثر عرضة للضغوط.

في مرحلة التنويع الاقتصادي الراهنة، تكتسب فرضية حتمية التوافق والتقارب والتفاهم الخليجي - الخليجي مصداقية أكبر. تعتمد رؤى التنويع في السعودية وقطر والإمارات والكويت على مشاريع مشتركة في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر واللوجستيات والسياحة، وليس من شك أن التكامل الخليجي يعزز من قدرة الدول على جذب الاستثمارات الأجنبية وتقليل الاعتماد على النفط، الذي لا يزال يشكل نسبة كبيرة من الإيرادات.

وهنا تبرز الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي وقعتها دول المجلس عام 2001 كإطار مرجعي أساسي. فقد نصت الاتفاقية صراحة على تحقيق ”المواطنة الاقتصادية“ من خلال المساواة التامة بين مواطني الدول الأعضاء في مجالات العمل والاستثمار وتملك العقارات وحرية انتقال رؤوس الأموال والمعاملة الضريبية وتأسيس الشركات. كما حددت جداول زمنية لاستكمال السوق المشتركة والتنسيق في السياسات الاقتصادية، إلا أن تنفيذها ظل جزئياً رغم التقدم في الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة.

وتشير الشواهد التاريخية الاقتصادية إلى أن مثل هذه الاتفاقيات، كما حدث في تجارب التكامل الإقليمي الأخرى، تحقق أعلى العوائد عندما تُفعّل بسرعة، حيث تقلل من التكاليف التشغيلية وتفتح آفاقاً أوسع للنمو المشترك، وعليه، فإن المسارعة اليوم إلى تنفيذ بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة تمثل الخيار الأقل تكلفة والأجدى عائداً، إذ لا تتطلب استثمارات عسكرية ضخمة أو تنازلات سياسية معقدة، بل تعتمد على الإرادة الجماعية لتفعيل ما تم الاتفاق عليه سابقاً.

وفي الوقت الذي تتفاوض فيه الولايات المتحدة وإيران حول مستقبل العلاقات، سواء أفضى ذلك إلى تهدئة أو عودة إلى الحرب، يتعين على دول مجلس التعاون لملمة موقفها وإعادة الزخم إلى الاتفاقية الاقتصادية الموحدة. فاللحظة الراهنة فرصة سانحة لتحويل التحديات الخارجية إلى دافع داخلي للتكامل، بدلاً من الانتظار السلبي لنتائج التفاوض أو الصراع. إن تنفيذ الوحدة الاقتصادية الخليجية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الاستراتيجية الأكثر جدوى مقارنة بأي مسار آخر، سواء كان الاعتماد على تحالفات خارجية متغيرة أو التنافس الداخلي الذي يضعف الجميع. فهي توفر أرضية صلبة للتنويع المشترك، وتعزز المرونة أمام الصدمات الجيواقتصادية، وتضمن أن يكون مجلس التعاون شريكاً فاعلاً وليس متفرجاً في صياغة مستقبل المنطقة.

ومع ذلك، تبرز عدة مسارات بديلة قد تلجأ إليها دول المجلس بدلاً من تسريع تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية الموحدة. أول هذه المسارات البديلة هو تعزيز الاتفاقيات الثنائية مع قوى خارجية كبرى، مثل الصين عبر مبادرة الحزام والطريق أو الولايات المتحدة من خلال شراكات أمنية واقتصادية فردية. وقد أظهرت التجربة التاريخية أن بعض الدول مثل البحرين وعمان وقعت اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مع الولايات المتحدة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مما أعطاها مرونة أكبر في جذب الاستثمارات لكنها أعاقت التنسيق الجمركي الجماعي في البداية. ويوفر هذا المسار سرعة في اتخاذ القرار واستغلال نقاط القوة الوطنية «مثل موقع الإمارات كمركز تجاري عالمي»، إلا أنه يزيد من مخاطر التجزئة ويضعف القوة التفاوضية الجماعية أمام تقلبات العلاقات الدولية، خاصة في ظل المنافسة بين واشنطن وبكين. كما أن المادة الحادية والثلاثين من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة تحظر منح امتيازات تفضيلية لدول غير أعضاء تفوق تلك الممنوحة داخل المجلس.

المسار البديل الثاني يتمثل في التركيز على التنويع الوطني المستقل، حيث تتقدم كل دولة برؤيتها الخاصة دون تنسيق إقليمي عميق. ويمنح هذا النهج مرونة في التكيف مع الظروف المحلية وتجنب الخلافات الداخلية، كما حدث في بعض جوانب التنويع خلال العقد الماضي، لكنه يرفع التكاليف طويلة الأمد بسبب المنافسة الداخلية على الاستثمارات والأسواق، ويقلل من وفورات الحجم التي يتيحها التكامل الإقليمي، ويجعل الدول أكثر عرضة للصدمات الخارجية مثل إغلاق مضيق هرمز أو تقلب أسعار الطاقة، ويوفر هذا المسار حماية فورية ضد التهديدات الجيوسياسية، كما أثبتت تجربة 1990-1991، لكنه يتطلب تكاليف مالية عالية ويبقي الاقتصاد عرضة للتقلبات دون قاعدة إنتاجية متنوعة مشتركة.

أما المسار البديل الثالث فيتمثل في بناء شراكات مع تكتلات أخرى مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي أو الهند على مستوى ثنائي أو شبه جماعي، وهو ما يجري بالفعل من خلال مفاوضات اتفاقيات تجارة حرة مع عدة أطراف. ويفتح هذا الباب أمام أسواق وتقنيات جديدة، لكنه قد يؤدي إلى ”نموذج المحور والأطراف“ الذي يضعف التماسك الداخلي، كما أشار بعض التحليلات الاقتصادية.

وفي المقابل، يظل تنشيط الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الخيار الأقل تكلفة والأعلى عائداً، لأنه يبني على إطار قائم ويحقق تكاملاً تدريجياً يعزز الاستقرار والنمو المشترك دون الحاجة إلى إعادة اختراع العجلة أو الدخول في منافسات خارجية مكلفة. وفي سياق المفاوضات الأمريكية - الإيرانية الحالية، يوفر هذا المسار درعاً وقائياً داخلياً يقلل من تأثير أي نتائج خارجية سلبية.

لكن يبقى المسار الأول هو الأفضل، إذ تثبت الشواهد التاريخية والاقتصادية صدق فرضية ”خليجنا واحد“ إلى حد كبير. سواء تصالحت إيران وأمريكا أم بقي التوتر قائماً، فإن مجلس التعاون يحتاج إلى تعميق تكامله الاقتصادي والأمني ليكون عالي التأثير في إقليمية وسط تموج المخاطر وتربصها، وتحقيق هذه الوحدة ليس رفاهية، بل شرطاً أساسياً للازدهار المستدام في مواجهة التحديات القائمة والتي تتشكل حالياً والمستقبلية.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى