ماذا ترى؟
قبل أيام، اتفقت مع مجموعة من الزملاء على الخروج إلى البر. لم تكن رحلةً اعتيادية، بل كانت، سباقاً مع الزمن. كان هدفنا البحث عن مكان مناسب لتصوير ذراع الجبار، أو كما يطلق عليه كثير من هواة التصوير الفلكي «ذراع المجرة»، وفي الوقت نفسه أردنا أن نختبر معدات التصوير والرصد استعداداً للموسم الفلكي القادم. كنا نعلم أن الوقت ليس في صالحنا، فالقمر سيشرق عند الساعة التاسعة والنصف مساءً، ومع شروقه ستغمر السماء إضاءته الفضية، فتختفي كثير من الأجرام السماوية الخافتة التي نعشق تصويرها. لذلك بدأنا العمل منذ اللحظة الأولى لوصولنا، وكل واحد منا يسابق الدقائق قبل أن يسبقنا ضوء القمر. وكما هي العادة في عالم التصوير الفلكي، لا تسير الأمور دائماً كما نخطط لها. فبينما نجح بعض الزملاء في التقاط أهدافهم، ظهرت لدى آخرين بعض المشكلات التقنية في معدات الرصد والتصوير، وهو أمر طبيعي يواجه كل من يمارس هذا الشغف، ويعلمنا في كل مرة أن السماء لا تمنح صورها بسهولة، بل تكافئ الصبر والإصرار.
أما أنا، فقد حالفني الحظ في تلك الليلة، واستطعت أن أوثق واحداً من أجمل الأجرام السماوية، وهو «سديم البحيرة» كانت لحظة ظهور تفاصيله على شاشة الكاميرا كفيلة بأن تنسيني كل عناء الإعداد والانتظار. سديم البحيرة هو سحابة هائلة من الغازات والغبار الكوني تقع في كوكبة القوس، ويبلغ قدره الظاهري نحو +4.6، ويمتد قطره إلى ما يقارب 110 سنوات ضوئية، بينما تفصله عن الأرض مسافة تقارب 4100 سنة ضوئية. ويُعد هذا السديم واحداً من أشهر حضانات النجوم، إذ تتشكل داخله نجوم جديدة باستمرار من سحب الغاز الكثيفة، في مشهد يذكرنا بأن الكون لا يعرف السكون، بل يعيش ولادةً دائمة للحياة النجمية.
وبعد أن شق القمر طريقه في السماء، وأضاء البر بنوره الفضي الهادئ، أدركنا أن وقت التصوير قد انتهى، لكن ليلة السماء لم تنتهِ بعد. جلسنا في دائرة صغيرة نتبادل أطراف الحديث، نستمتع بالمشروبات الباردة والساخنة، بينما كانت أعيننا لا تزال معلقة بالسماء. انتقل الحديث من تقنيات التصوير إلى تاريخ النجوم، ومن عدسات الكاميرات إلى ذاكرة الإنسان. تحدثنا عن ذراع المجرة، وكيف ألهم شعوباً وقبائل عبر آلاف السنين، فنسجوا حوله الأساطير والحكايات، وجعلوا منه طريقاً في السماء يهتدون به في أسفارهم، ويقرؤون من خلاله تغير الفصول، ومواسم الصيد والزراعة، وحتى الأشهر القمرية.
وتطرقنا أيضاً إلى الأسماء التي أطلقها الإنسان على القمر في مواسم مختلفة، مثل القمر الدموي، والقمر الأزرق، وقمر الفراولة، وغيرها من المسميات التي تعكس العلاقة العميقة بين الإنسان والسماء، وكيف ظل يحاول تفسير ما يراه بلغته وثقافته وخياله. وأثناء ذلك، وجدت نفسي أعود بذاكرتي إلى أجدادنا. حين أنظر إلى السماء في ليلة صافية، لا أرى مجرد نقاط مضيئة متناثرة في الفضاء، بل أرى صفحات من كتابٍ قرأه أجدادنا قبل آلاف السنين. كتابٌ لم تُكتب حروفه بالحبر، وإنما رُسمت كلماته بالنجوم، وحُفظت معانيه في ذاكرة الإنسان العربي جيلاً بعد جيل.
عاش أجدادنا في بيئةٍ قاسية، حيث تمتد الصحراء بلا معالم، ويغيب الضوء مع غروب الشمس، فلم يجدوا دليلاً أوفى من السماء. لم يمتلكوا مراصد عملاقة، ولا كاميرات رقمية، ولا برامج لتحديد مواقع النجوم، وإنما امتلكوا عيناً تراقب، وعقلاً يتأمل، وصبراً يحوّل الملاحظة إلى علم، والخبرة إلى إرث تتناقله الأجيال. كانوا يرفعون أبصارهم كل ليلة، فيتعلمون من النجوم أكثر مما نتعلمه نحن اليوم من كثير من الأجهزة. فمن خلالها عرفوا الجهات، واهتدوا في أسفارهم، وحددوا الشمال بالنجم القطبي، واستدلوا بمجموعة بنات نعش، حتى أصبحت السماء بالنسبة إليهم بوصلةً لا تخطئ.
ولم تكن النجوم دليلاً للمسافر فحسب، بل كانت تقويماً دقيقاً للفلاح والراعي والبحار. فقد راقبوا طلوع الثريا، وتابعوا الدبران وهو يتبعها، وانتظروا ظهور نجم سهيل بشغف لأنه يبشر بانكسار الحر، وربطوا بين حركة النجوم وتعاقب الفصول، فظهر علم الأنواء، الذي يمثل أحد أعظم صور المعرفة الفلكية العربية. لكن أجمل ما تركه لنا أجدادنا لم يكن أسماء النجوم وحدها، بل القصص التي حفظوا بها مواقعها. ففي السماء رأوا عاشقاً اسمه الدبران يطارد محبوبته الثريا دون أن يدركها، ورأوا سهيل هارباً من بنات نعش اللواتي يطلبن الثأر، ورأوا الشعرى اليمانية تعبر نهر المجرة، بينما بقيت أختها الشعرى الشامية على الضفة الأخرى. لم تكن تلك الحكايات تفسيراً علمياً للكون، وإنما كانت لغةً إنسانية جميلة، جمعت بين المعرفة والخيال، وساعدت الناس على حفظ مواقع النجوم وتوارثها قبل ظهور الخرائط والكتب.
وأنا أجلس تلك الليلة تحت السماء، أدركت أن شغفنا اليوم بالتصوير الفلكي ليس سوى امتداد لذلك الشغف القديم. اختلفت الأدوات، لكن بقي الفضول كما هو. استبدلنا العين المجردة بالكاميرات الحساسة، واستبدلنا الخرائط الورقية بالتطبيقات الرقمية، لكن السماء ما زالت تطرح السؤال ذاته على كل من ينظر إليها: ماذا ترى؟ بالنسبة لي، لا أرى مجرد مجرة تمتد فوق رؤوسنا، ولا مجرد سديم يبعد آلاف السنين الضوئية عن الأرض، بل أرى تاريخ الإنسان وهو يكتب فصوله بين النجوم. وأوقن أن أول مدرسة عرفتها البشرية كانت السماء، وأن أول معلم كان التأمل، وأن كل صورة نلتقطها اليوم ليست سوى صفحة جديدة نضيفها إلى ذلك الكتاب الكوني الذي بدأ أجدادنا قراءته منذ آلاف السنين، وما زلنا نحن نواصل قراءته حتى اليوم.














