آخر تحديث: 1 / 7 / 2026م - 8:17 م

كتابة بالدموع.. غابرييل غارسيا ماركيز

يوسف أحمد الحسن * مجلة اليمامة

يقال إنه حينما كان غابرييل غارسيا ماركيز يكتب رواية «مئة عام من العزلة» خرج في أحد الأيام من مكتبه مكفهرّ الوجه، فقالت له زوجته: هل مات العقيد؟ قال لها: نعم، ثم انهار على الأريكة باكيًا.

هذه هي القصة الشائعة عن الأديب الذي حاز جائزة نوبل للأدب عام 1982 م، لكن يبدو أنها ليست دقيقة بالكامل كما تُروى، فقد أضيف لهذه الحادثة بعض اللمسات الدرامية من قبل بعض المصادر باللغة الإنجليزية لأغراض تحفيزية ربما. ولعل سبب انتشارها أن لها مصداقية؛ ذلك أنه كان معروفًا أن مشاعر ماركيز حساسة للغاية، وأنه ينغمس مع أحداث رواياته وشخصياتها كليًّا؛ فيفرح في الأحداث السعيدة التي تمر بها، ويحزن لما يصيبها من آلام أو مصائب، وصرح هو بذلك في بعض أحاديثه بأنه كان يندمج في عالمه الروائي بشكل عميق جدًّا، ويعيش شخصيات رواياته كأنها حقيقية، وبلغ به الأمر أنه كان يؤجل موت بعضهم حتى يصبح مستعدًّا لذلك نفسيًّا.

وقد ذكر ابنه رودريغو رواية قريبة منها في كتاب أصدره عن ماركيز تحت عنوان «في وداع غابو ومرسيدس»، وغابو هو الاسم الذي اشتهر به ماركيز بين المقربين منه. يقول ابنه إن غابو ترك طاولة الكتابة في تلك اللحظة وذهب إلى زوجته مرسيدس بارشا في غرفة النوم، فقال لها حزينًا: لقد قتلت العقيد. ويضيف: لقد فهمت مرسيدس ما يعنيه ذلك بالنسبة له، وظلّا صامتين مع الأخبار المحزنة. وكان ماركيز يقول إنه يعرف العقيد أوريليانو بوينديا، إحدى شخصيات تلك الرواية، أكثر مما يعرف نفسه.

وقد كتب رودريغو كتابه ذاك بالإسبانية وتُرجم إلى الإنجليزية «A Farewell to Gabo and Mercedes» ثم إلى العربية تحت عنوان «في وداع غابو ومرسيدس». وما يميز الكتاب أنه ليس سيرة غيرية تقليدية، بل عمل يطغى عليه الجانب الشخصي الحميم، موثقًا الأمور الخاصة جدًّا بماركيز؛ مثل مرضه، وفقدانه لذاكرته، وعلاقته بزوجته مرسيدس التي توفيت عام 2020 م.

ويستطيع القارئ أن يستشف من هذه الحادثة مدى قوة علاقة ماركيز بزوجته - التي لها أصول مصرية - ودورها في إبداعه الروائي.

عرف عن ماركيز أنه كان يعتزل الناس كليًّا لمدد قد تصل إلى شهور، خاصة حينما كتب رواية «مئة عام من العزلة»، وهو ما أجبر زوجته على بيع سيارة الأسرة لتأمين نفقات البيت، وكان يبدأ الكتابة من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثانية ظهرًا ولا يسمح لأحد بمقاطعته. وكان يكتب ببطء شديد رغم أنه كان يجلس أحيانًا ساعات دون أن يكتب شيئًا، وقد استغرقت منه رواية «مئة عام من العزلة» 18 شهرًا متواصلة، وكان يقرأ ما يكتب بصوت مسموع حتى يختبر رنين كلماتها في أذنيه. وقال عن تجربة كتابته لهذه الرواية إنه كان خارجًا في السيارة في إجازة مع أسرته حين سمع فجأة الجملة الأولى منها - كإلهام، فعاد بالسيارة إلى بيته وجلس يكتب!

كتب هذا المؤلف العظيم عددًا من الروايات التي خلدته وأبرزت اسم بلده «كولومبيا» على الخارطة الأدبية العالمية، ففضلًا عن روايته هذه، التي ترجمها أحمد شافعي ونشرتها دار أثر، له روايات أخرى مثل «الحب في زمن الكوليرا» و«ليس للكولونيل من يكاتبه».

ومن الأمور الطريفة التي تروى عنه أنه كان يقول إنه يكره الموت؛ لأنه الجانب الوحيد من حياته الذي لن يتمكن من الكتابة عنه؛ فقد كتب - كما قال - عن كل شيء عاشه، إما بشكل صريح أو مرمز.