آخر تحديث: 1 / 7 / 2026م - 8:17 م

حين يتكلّم المشيّعون

محمد يوسف آل مال الله *

ليس كل من يموت يُشيَّع بالطريقة نفسها، فبين جنازةٍ وأخرى قصة حياة كاملة.

كم من جنازةٍ رأيناها ازدحمت بالمشيّعين، حتى ضاقت الطرقات بالناس القادمين من مدن وقرى مختلفة، يحملهم الوفاء قبل أن تحملهم السيارات. لم يكن صاحبها مسؤولًا كبيرًا، ولا صاحب ثروة طائلة، وإنّما كان إنسانًا عرف كيف يسكن قلوب الناس؛ بابتسامته، وكرمه، وتواضعه، ووقوفه مع المحتاج، وإصلاحه بين المتخاصمين، وحرصه على صلة رحمه، وخدمته لمجتمعه.

وفي المقابل، قد يرحل آخر فلا يحضر جنازته إلا نفرٌ قليل، ليس لأنّ الناس لا تحترم الموت، بل لأنّ حياته لم تترك أثرًا يُذكر، ولم تبنِ جسورًا مع الآخرين، فعاش لنفسه، فرحل بصمت.

وهنا يبرز سؤال مهم: كيف أريد أن يتحدث الناس عني بعد رحيلي؟

هذا السؤال ليس دعوةً إلى طلب الشهرة أو انتظار المديح، وإنّما هو دعوة إلى مراجعة الذات، لأنّ السمعة الطيبة ليست كلمات تُقال بعد الوفاة، بل هي حصيلة سنواتٍ من الصدق والإحسان وحسن التعامل.

لقد علّمنا القرآن الكريم أنّ الذكر الحسن نعمةٌ يُسأل الله تعالى أن يرزقها لعباده الصالحين، فقال على لسان نبيه إبراهيم : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: 84]. إنّها دعوة لأن يبقى الإنسان حاضرًا في ذاكرة الناس بخير، لا بمنصبٍ زائل أو مالٍ فانٍ.

ويؤكد القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: 96]. فالقبول الحقيقي لا يُشترى، ولا يُفرض، وإنما يضعه الله في قلوب الناس جزاءً للإيمان والعمل الصالح. ولذلك نجد أن بعض الأشخاص إذا ذُكر اسمهم ابتسم الناس وترحّموا عليهم، وكأنّهم ما زالوا يعيشون بينهم.

ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ: ”خير الناس أنفعهم للناس“.

إنّ معيار الخيرية في الإسلام ليس كثرة ما يملكه الإنسان، بل مقدار ما يقدّمه للآخرين. فكل معروف يصنعه، وكل دمعة يمسحها، وكل مشكلة يسهم في حلها، إنّما يبني بها مكانته في القلوب قبل أن يبنيها في التاريخ. يقول أمير المؤمنين الإمام علي : ”خالطوا الناس مخالطةً إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم“.

إنّها ليست وصية اجتماعية فحسب، بل منهج حياة. فالتواضع، والوفاء، والصدق، والرحمة، واللين، وصناعة الفرح في حياة الآخرين، كلها استثمارات لا تخسر أبدًا، لأنّها تُثمر محبةً تبقى حتى بعد الرحيل.

لعلّ أعظم شاهد على ذلك ما نراه في ذكرى الإمام الحسين . فقد مضت قرون طويلة على استشهاده، ومع ذلك لا تزال الملايين تتوافد حبًا ووفاءً له. ليس السر في مرور الزمن، وإنّما في القيم التي جسدها؛ فقد عاش من أجل الحق، وضحّى من أجل كرامة الإنسان، ورفض أن يساوم على المبادئ، فخلّدته القلوب قبل أن تخلّده كتب التاريخ.

وفي المقابل، أين أولئك الذين امتلكوا السلطة والجيوش في زمانه؟ لقد بقيت أسماؤهم مرتبطة بالظلم، بينما بقي الإمام الحسين رمزًا للعدل والإصلاح. وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى: الخلود تصنعه الأخلاق، لا القوة.

وفي واقعنا المعاصر، نرى أشخاصًا لم يتصدّروا المنابر، ولم يعرفهم الإعلام، لكنّهم عرفوا أبواب الفقراء، وحافظوا على أرحامهم، وأكرموا جيرانهم، وأحبوا الخير للناس، فإذا رحلوا خرجت الجموع تلقائيًا لتوديعهم، لأنّهم تركوا في كل بيت ذكرى جميلة، وفي كل قلب موقفًا لا يُنسى.

إنّ الجنازة المهيبة لا تُصنع في يوم الوفاة، وإنّما تُصنع كل يوم من أيام الحياة. يصنعها خلقٌ كريم، وكلمة طيبة، ووفاء بالعهد، وإخلاص في العمل، ورحمة بالناس، وتواضع مع الجميع، وحضور في مناسبات المجتمع، وإسهام في خدمة الآخرين دون انتظار مقابل.

لقد لخّص الإمام الصادق هذا المعنى بقوله: ”كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم“. أي اجعلوا أخلاقكم وسلوككم هي التي تُعرّف الناس بدينكم وقيمكم، فالناس تنسى كثيرًا مما تسمعه، لكنّها لا تنسى أبدًا ما تراه من مواقف نبيلة.

إنّ الوعي الحقيقي لا يجعل الإنسان مشغولًا بعدد المشيّعين، بل يجعله مشغولًا بعدد القلوب التي كسبها، وعدد النفوس التي أسعدها، وعدد الأيادي التي أخذ بيدها، وعدد الدعوات الصادقة التي سترتفع له بعد رحيله.

فالناس لا يشيّعون الجسد وحده، بل يشيّعون الأخلاق التي عرفوها، والمواقف التي عاشوها، والذكريات التي تركها صاحبها بينهم.

وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منّا: إذا حان يوم الرحيل، فهل سيأتي الناس لأداء واجب العزاء فقط، أم سيأتون وفاءً لإنسانٍ ترك في حياتهم أثرًا لا يموت؟