طائرة بحجم وطن
الحوادث القاسية، عادةً ما يبزغ من خلالها أسماء تتمجد من قاع الحدث، وعادةً لا تكون هذه الأسماء مجرد أسماء، بل يكون وراء كل منها رسالة. نعم، هذا ما حدث عندما أُعلِنت أسماء المواطنين السعوديين الذين فقدوا حياتهم إثر سقوط المروحية التابعة لشركة أرامكو السعودية عقب عودتهم من أعمالهم صباح الأمس. ومثلت القائمة ليس فقط سجلًا للراحلين، بل كانت لوحة تجمع الوطن وأطيافه في إطار واحد.
للوهلة الأولى، بدت الأسماء كغيرها من الأسماء، لكن عند تأملها ترى وطناً كاملاً. ضمت قائمة الشهداء أسماء لمواطنين من مناطق مختلفة، وانتمت لقبائل متعددة، وعكست تنوعًا مذهبياً واجتماعياً يعرفه كل من يعيش في المملكة. لكن الموت لم يسأل أحدًا منهم عن منطقته، ولا عن قبيلته، ولا عن مذهبه. جميعهم واجهوا مصيرًا واحدًا، كما جمعهم قبل ذلك شرف خدمة وطن واحد.
ولعل أجمل ما كشفت عنه هذه الحادثة أن الهوية الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات فحسب، بل حقيقة تتجلى في المواقف الكبرى. فعندما تحل المصيبة، لا يبحث الناس عن أسماء المناطق أو القبائل، وإنما يرون أبناء وطن واحد، يتشاركون فيه العزاء والمواساة. فالمصائب لا تسأل عن الانتماءات الصغيرة، ولا تفرق بين لهجة ولهجة، أو بين قبيلة ومنطقة. إنها تخاطب الإنسان قبل كل شيء، وتوقظ في المجتمع إحساسه الفطري بأن أبناء الوطن، مهما تنوعت جذورهم، ينتمون إلى شجرة واحدة.
لهذا جاءت تلك الأسماء تحمل رسالة لم يكتبها أصحابها لكنها كُتِبت بهم، رسالة تقول إن الوطن لا يقاس بمدنه وحدوده، بل بقدرته على جمع المختلفين في هوية واحدة، وفي مسؤولية واحدة، وفي مصير واحد. فلا ينبغي أن نكشف وحدتنا فقط عندما نفقد أبناءنا، ولا أن نستشعر قيمة التنوع إلا عندما نقرأ أسماء الراحلين، فالوطن الذي يعمل أبناؤه معًا، ويحلمون معًا، ويواجهون المخاطر معًا، يستحق أن تُصان وحدته كل يوم، لا في المصائب وحدها.
فالوطن لا يصبح وطنًا لأن أبناءه يتشابهون، بل لأنه يتسع لاختلافاتهم. فالتشابه لا يحتاج إلى وطن، أما التنوع فلا يحيا إلا في ظل وطن عادل، يساوي بين أبنائه في الكرامة والحقوق والواجبات. إن الأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد سكانها ولا باتساع جغرافيتها، وإنما بقدرتها على تحويل التنوع إلى وحدة، والاختلاف إلى تكامل، والمصير الفردي إلى قصة وطنية مشتركة. وما لم تستطع آلاف الكلمات والخطب أن تقوله عن الوحدة الوطنية، قالته تلك الأسماء في صمتها؛ صحيح أنها أسماء جاءت من أنحائه، لكنها خطت جملة واحدة، تقول: هكذا هو الوطن.
نعم، وهكذا هو وطني، السعودية.
رحم الله شهداءنا جميعًا، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. ولعل مواساتنا هذه هي العزاء الأكبر؛ فأسماءهم أصبحت تذكيرًا بدرسٍ عظيم لا ننساه، يختزل معناه في كون الوطن هو ذلك المكان الذي يتسع للجميع، ويحتضن الجميع، ويبقى أكبر من كل تصنيف، وأبقى من كل اختلاف.














