آخر تحديث: 29 / 6 / 2026م - 9:41 م

مواقف سامية الهدف ورائعة المضمون

جمال حسن المطوع

هناك من المواقف الواضحة والدلالات الهادفة ما يحمل أبعادًا دينية ونفسية وأخلاقية وتربوية، تظل مغروسة في وجداننا، ولن يمحوها الزمن بأحداثه ومجرياته، مهما طال أو قصر؛ لأنها من الثوابت الأصيلة والدعائم الراسخة، خاصة إذا جاءت من حملة أهل العلم الرباني والإيمان العقائدي، الذين يسلكون أسلوبًا جذابًا شفافًا ومشوِّقًا في فن الخطابة المنهجية والإرشاد التوعوي قولًا وفعلًا إلى مستمعيهم.

فإذا امتزجت واندمجت كل هذه المفاعيل في إحياء مناسبات وشعائر دينية تمثل مرحلة فاصلة بين الحق والباطل في الواقع الإنساني، والتي تجسدت في واقعة الطف الملحمية بين حماة الدين الذي يمثله الإمام الحسين وأصحابه من جهة، وبين زمرة أهل الظلم والبغي والفساد والضلال من جهة أخرى.

والمقارنة بين فريقين متضادين فكرًا ونهجًا وسلوكًا هنا تظهر براعة الوصف والتحليل المنطقي في وصف الأحداث والآثار المترتبة عليها، التي يرتكز عليها كل خطيب حسيني مفوه، وهذا ما نحن بصدده والإشارة إليه، وهناك نماذج كثيرة متميزة، ومن هؤلاء الخطباء المبدعين، وهو ظاهرة فريدة، وذو أسلوب آخاذ، سماحة العلامة الشيخ زهير الدرورة، المتمكن في تسليط بحوثه القيمة التي اتسمت بوضع النقاط على الحروف في ترجمة الحركة الحسينية بأبعادها القرآنية والحديثية والفلسفية، وأسهب في بحوثه شرحًا وتحليلًا وتعليلًا؛ لإعطاء التفاصيل والوقائع بحكمة وروية تدخل القلوب بقناعة وقبول، وربط بعضها ببعض، لتوصيل المعلومة بشفافية إلى الحضور المجتمعي بكل أطيافه المتنوعة فكرًا وثقافةً ومفهومًا، بكل تركيباته وتوجهاته وآرائه، وفي قالب آخر، الاتجاه بالبوصلة إلى شد انتباه ومشاركة البراعم والشباب المتنور من الناشئة في نقاشاته باحتراف وتميز.

واستطاع الشيخ الفاضل بحنكته، وبأسلوبه المرن والسلس، وبمحاضراته وأطروحاته المشوقة، أن يعطي مجالًا لطرح تساؤلات يشرك فيها براعم المستقبل، والاطلاع على مدى وعيهم الديني والعقائدي في الأخذ والرد، ليرى مدى فاعلية التجاوب والتعاطي معه فيما طرحه عليهم من أسئلة محورية تتعلق بربط الشبيبة بواقعهم الديني والمعرفي، ومدى ثقافتهم ووعيهم.

فوجَّه إليهم، برحابة صدر، أسئلةً استفهاميةً ولفتةً توجيهيةً تتعلق بمن هي المقصودة بكلمة «الكوثر»، فقام أحد البراعم وأجاب أن المقصود بتفسير الكوثر هي السيدة فاطمة الزهراء «عها»، فأثنى عليه الشيخ الجليل على حسن إجابته، وفي اليوم التالي كافأ الشيخ ذلك البرعم بجهازِ جوالٍ، وحثه على الاستفادة منه اطلاعًا ومعرفةً وثقافةً دينيةً، مما أعطى تشجيعًا ودافعًا لهؤلاء الناشئة للرغبة في الاطلاع على تعاليم دينهم وعقيدتهم، ورفع مستواهم الفكري والروحي والعقائدي.

وهذه نقاط جوهرية في الانفتاحِ الإيجابي للتواصل، وطريق ليحذو الخطباء الآخرون حذوه في كسب قاعدة عريضة من شباب المستقبل في الاطلاع والمتابعة فيما يخص دينهم ودنياهم.

وهنا نوجه كلمات الشكر والعرفان، والأجر والثواب، إلى سماحة هذا الشيخ الجليل على هذه الإنجازات والعطاءات والمستجدات في فن الخطابة والإرشاد المنهجي، الذي فتح بابًا نحن أحوج ما نكون إليه في عصر الانفتاح ومواقع التواصل الاجتماعي بكل أنواعها ومحتوياتها التي تبث الغث والسمين.

وهنا يأتي دور الدعاة، ولا سيما الأكاديميين منهم والمؤهلين، في توضيح كل الشبهات وما يدس من الأضاليل، وخلق الفتن بين أبناء المذهب الواحد، وعلى علمائنا وخطبائنا الأجلاء الاقتداء دائمًا وأبدًا بهذه الآية الكريمة شعارًا ومنارة، وهي قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125]. لتكون الهدف الأسمى والمثال الأعلى في ديننا ودنيانا.

والله ولي التوفيق.