الأحلام في المنظور الإسلامي
على المستوى التاريخي لا يعرف أحد متى انتبه الإنسان لأهمية الأحلام في وعيه، وكونها رسائل تكشف إما عما يختلج بداخله من رغبات واحتياجات جسدية وعقلية، مادية ومعنوية، أو رسائل غيبية ذات محتوى أو مضمون تحذيري من شيء سيفعله أو سيقع له، أو تبشره بخير سيحصل له، أو تكشف له عن عالم لا يعرفه.
ولكن الأكيد أن الإنسان اكتشف مبكرًا عالم الأحلام، وبدأ يبحث عن تفسير ما يراه في نومه.
وفي تاريخ الأنبياء نجد أن عددًا من الأنبياء كان وحيهم عن طريق الرؤيا الصادقة. وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة نبي الله إبراهيم
مع ابنه، إذ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 102-105].
وقصة رؤيا يوسف، وكيف أن أباه حذره ونهاه من قصها على إخوته فيكيدوا له؛ لأنه علم بصدقها، وقد تحققت فعلًا بعد ذلك بسنين. وكذلك قدرة النبي يوسف على تعبير الرؤيا، وقد وصف السجينان يوسف
بأنه من المحسنين: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36].
ورؤيا رسول الإسلام ﷺ وثقها القرآن الكريم، إذ قال تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27].
ورؤياه كذلك للقردة تنزو على منبره، فاستيقظ محزونًا، فنزل عليه القرآن مصدقًا لما رآه، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60]، وقد فُسِّرت رؤيا القردة ببني أمية الذين اغتصبوا الخلافة وأسسوا الملك العضوض.
وعلى ضوء ما ذكر أعلاه نستطيع القول: إنَّ الرؤيا في المنظور الإسلامي حقيقية، ولها علاقة بعالم الروح وعلاقة الإنسان بالعالم الآخر، وأن الرؤيا الصادقة التي يراها المؤمن هي، كما جاء عن الإمام الصادق: «الرؤيا الصادقة جزءٌ من سبعين جزءًا من النبوة».
وروي عن رسول الله ﷺ قوله: «لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو ترى له».
وتنقل كتب الحديث أن الصحابي عبادة بن الصامت سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 63-64].
فقال رسول الله ﷺ: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد غيرك، هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له».
فالإسلام يربط عالم الرؤيا بعالم الغيب وتأثيره على عالم الشهود.
أما النظريات العلمية فهي لا تؤمن بالرؤيا كحقيقة لها علاقة بعالم الروح والغيب، وإنما فسرت، وفق هذه النظريات، بمكبوتات أو عوارض نفسية ذات أسباب عضوية تمر عبر الدماغ استجابة لما يتعرض له الجسد داخليًا أو بتأثير خارجي، فيترجم الدماغ ذلك على شكل صور وأحداث ووقائع لا حقيقة لها.
ويقول الخبير الغربي [لوك وتنهوف] في معجم الأحلام: «إننا نحلم بالقيام بالأمور التي لا يسعنا، لأسباب مختلفة، القيام بها في ساعات يقظتنا؛ لذلك فنحن إنما نحاول أن نحقق في نومنا رغبات لا يمكن تحقيقها نهارًا».
والسؤال الذي لا يمكن أن يثيره هذا القول هو: إذا كانت الأحلام هي فقط هذا القسم الذي يكشف عن مخاوفنا ورغباتنا المكبوتة، فأين نضع الأقسام الأخرى من الأحلام أو الرؤيا التي تتحدث عن المستقبل؟ بماذا نفسر رؤية الأموات والتحاور معهم؟ بماذا نفسر الرؤيا التي يراها الإنسان لغيره، لأخيه، لصديقه؟ أسئلة كثيرة لا جواب لها دون اعتبار لعالمي الروح والغيب.
وبالتالي فإن الإيمان الديني هو مفتاح الجواب على هذه الأسئلة وغيرها. والتفسير الإسلامي الذي تقدمه الأحاديث الشريفة عن حصول الرؤيا وطبيعة حركة الروح وامتدادها أثناء النوم هو الآتي:
فقد سُئل الإمام علي
عن حقيقة الرؤيا فقال: «إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة إلى السماء، فكل ما تراه في الأرض فهو أضغاث أحلام». فقال السائل: «أو تصعد روح المؤمن إلى السماء؟» فأجاب
: «لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شيء إذن لمات». فسئل: «كيف تخرج؟» فقال
: «أما ترى الشمس في السماء في موضعها، وضوؤها وشعاعها في الأرض، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة».
فالرؤيا، سواء كانت صادقة أو كاذبة، إنما تحصل عن امتداد الروح في الآفاق الغيبية، وهناك قد تلتقي بالأرواح وبالشياطين وتختلط بهما، وقد تنتقل إلى اللوح المحفوظ فتقرأ المستقبل، وقد يزودها ملك الرؤيا ببعض الرؤى وببعض ما هو مقدر لها في علم الله تعالى، وبعد رجوعها إلى الجسد يترجم ذلك بأدوات المخيلة، فتحصل الرؤيا بأقسامها الصادقة والكاذبة، الواضحة والمرمزة.
وسواء اقتربت هذه التفسيرات من الصحة والواقع أو ابتعدت عنه، فإن الإشكال يكمن في صعوبة فهم طبيعة الروح وحركتها وامتدادها وعلاقتها بالجسد أثناء النوم.
وعلماء التعبير يؤكدون دائمًا أن الرؤيا يراها الإنسان بالروح ويفهمها بالعقل، ويمكن أن نلخص الرؤية الإسلامية للرؤيا في النقاط التالية:
1- الرؤيا من طرق الوحي، فقد كانت نبوة عددٍ من الأنبياء عن طريق الرؤيا الصادقة.
2- إنها وسيلة خلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان تمكنه من الانفتاح على عالم الغيب، حيث تتجاوز الروح وسائلها المادية المحدودة، فتمتد أثناء النوم وتتمكن من الذهاب بعيدًا في الآفاق المادية والروحية.
3- مدخل للإيمان بالغيب والعالم الآخر، وقد شبهت الأحاديث النوم بالموت والنشور بالاستيقاظ، وأثناء النوم قد يرى الإنسان العوالم غير المادية التي تحدثت عنها الرسالات السماوية.
4- إنها استمرار للعلاقة بين عالمي الغيب والشهادة.
5- وسيلة إخبار وإرشاد وتنبيه لما عليه الإنسان أو ما اقترفه من خير أو شر أو ما سيقدم عليه، وإخبار بحوادث المستقبل، كما وقع لملك مصر الذي رأى سبع بقراتٍ عجافًا يأكلهن سبعٌ سمانٌ، فأوَّلها نبيُّ الله يوسف
بسنوات قحطٍ مقبلة، واقترح عليهم خطة تجنبهم المجاعة.
وعلى ضوء هذه الرؤية الإسلامية لظاهرة الرؤيا، فقد اهتم علماء الأمة بهذه المسألة، وألفوا الكتب حول جوانبها المختلفة. فقد ألف الحسن بن الحسين الخلال كتاب طبقات المعبرين، وذكر فيه أسماء «7500» معبرٍ. ومن أوائل من كتب في هذا العلم محمد بن سيرين، صاحب التفسير المنسوب إليه. وقد ذكر النابلسي، صاحب كتاب دار السلام، مجموعة من الكتب في تعبير الرؤيا كانت موجودة ومتداولة في عهده «أي القرن العاشر والحادي عشر الهجريين»، ومنها استقى مادة كتابه تعطير الأنام في تعبير المنام. ومن هذه الكتب: كتاب القادري لنصر بن أبي يعقوب إبراهيم الدينوري، وكتاب الحكم والغايات في تعبير المنامات لابن الدقاق المرئي، وكتاب المنتخب للشيخ أبي الحسين بن إبراهيم الخليلي، وكتاب الإشارة في علم العبارة للشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر، والتعبير لشهاب الدين أبي العباس أحمد المقدسي الحنبلي، والإشارات في علم العبارات للعلامة ابن شاهين الظاهري.
المصنفات المذكورة أعلاه تنتمي إلى مدرسة الخلفاء، أما المصنفات التي ألفت في المدرسة الإمامية فمنها: بلغة الشيعة الكرام في تعبير رؤيا المنام للميرزا محسن آل عصفور، وكتاب دار الإسلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام للمحدث حسين النوري الطبرسي، والشيخ محمد باقر المجلسي الذي خصص الجزء 61 من موسوعته بحار الأنوار للحديث عن الرؤيا، والشيخ محمد تقي التستري، صاحب كتاب آيات بينات في حقيقة بعض المنامات، وغيرها من المصنفات والمؤلفات.
وبعد هذه الجولة السريعة في التعريف بمكتبة الأحلام لدى المسلمين، نود في الختام التأكيد على النقاط التالية:
1- لا تترتب آثار شرعية على أحلام الإنسان. فالذي يحلم بزواج أو طلاق أو بيع أو شراء، وكل المعاملات الأخرى، لا تترتب آثار هذه المعاملات في الواقع الخارجي.
2- ثمة ضرورة معرفية في فضائنا الاجتماعي لتعزيز الفكر السنني، الذي يعتبر أن جميع ظواهر الوجود هي وليدة عالم الأسباب والمسببات. ومن المؤكد أن تراجع الفكر السنني في فضائنا الاجتماعي هو أحد الأسباب الرئيسة في انتشار ظاهرة الخرافة والانشغال بالأحلام.
3- من الناحية السسيولوجية، فإن المجتمعات المقهورة، التي تشعر بالاضطهاد والظلم، ولا تمتلك قدرة فعلية على مواجهة هذا الاضطهاد، تعمد، كوسيلة دفاعية، إلى توسيع مقدسها.
وبعد انتهاء الظروف الضاغطة، يبقى ما أدخل في المقدس مقدسًا.
لذلك ثمة حاجة معرفية ومجتمعية لتحديد المقدس، نعني بالمقدس المطلق أو العبادي أو ما يتصل بالشأن الديني المحض، ودونه ليس مقدسًا. فالتشريع الإسلامي له مظهران: مظهر التشريعات الموجهة إلى الأفراد، إلى المكلفين، والتشريعات الموجهة إلى الأمة. والدولة هنا كائن مخلوق للأمة، في مقابل الفكرة الهيغلية التي تعتبر الدولة تجريدًا عاليًا أو تجريدًا مقدسًا للأمة والمجتمع.
والمقدس في هذا السياق هو حفظ النظام. وحفظ النظام له صيغتان: صيغة حفظ النظام بالتوافق مع المجتمع، والصيغة الأخرى صيغة حفظ النظام بقمع المجتمع والتسلط عليه.
والواقع السياسي للمسلمين اليوم يؤكد أن دول المسلمين اختارت صيغة حفظ النظام عن طريق القمع والاستبداد.
ومشروعات الإصلاح في الأمة تعمل على بناء حفظ النظام بالتراضي والانسجام بين المجتمع والدولة، وإنهاء الفصام النكد بين ذاتها وبين دولتها. وعليه فإن مقدسات المسلمين محدودة، ولا يجوز توسيع هذه المقدسات. ودونها تبقى اجتهادات بشرية نحترمها ونقدرها، ولكننا لا ننحبس فيها.
وبالتالي فإن الأحلام، بكل مستوياتها، ليست مقدسًا، ولابد من التحرر من ذهنية توسيع المقدس.













