صفّارة
أعترف.. يبدو أنني بدأت أضعف، وأستسلم أمام هذه المطّاطية المجنونة التي تُدعى كرة القدم.
لم يكن الأمر إعجابًا مفاجئًا، بل انجذابًا تدريجيًا نحو شيء يصعب تفسيره؛ نحو لعبة تبدو بسيطة على السطح... ومربكة في عمقها.
كنت أظن أنني خارجها؛ لا أعرف متى تُحتسب ركلة جزاء، ولا لماذا يُلغى هدف بدا كاملًا.
ثم اكتشفت أن حب كرة القدم لا يبدأ من القوانين، بل من الدهشة التي تُربك ما نراه، وتُبقي أعيننا معلّقة بما قد يحدث.
هناك صمت قصير.. يسبق كل شيء.
لا انتظارًا للكرة، بل لما سيُقال بعدها.
في تلك المسافة، فهمت:
كرة القدم لا تُحسم بما يحدث.. بل بما يُحتسب.
في ربع نهائي كأس العالم 1986، قفز دييغو مارادونا نحو كرة لم يكن من المفترض أن تصل إليه.
مدّ جسده، ولمسها بيده.. فدخلت المرمى.
رآها العالم، أو ظن أنه رآها، أما الحكم، فلم يرَ شيئًا.
لم تُطلق الصفّارة، وسُجّل الهدف.
لم تكن القصة في الهدف، بل في تقدير الحالة الذي منح اللقطة مشروعيتها...
لأنها لم تُعلن على حقيقتها.
ثم تكرر المشهد، لكن بصورة معكوسة:
كرة فرانك لامبارد تجاوزت خط المرمى بوضوح، ثم عادت إلى الملعب، كأن الحقيقة دخلت.. ثم خرجت منه.
هذه المرة، لم يُخفَ الخطأ، بل غاب احتساب الحقيقة، ولم تُطلق الصفّارة.
بين لحظة مُنحت فيها الأفضلية لتقدير لم يكن دقيقًا، وأخرى لم يُحتسب فيها ما حدث بوضوح، يتضح أن المباراة لا تُدار بما يحدث فحسب، بل بما يُحتسب وفق تقدير الحالة.
الصفّارة ليست صوتًا، بل إعلان.
الحد الفاصل بين ما يقع.. وما يُسجل.
نختلف على كل شيء.. على الأداء، وعلى النوايا، وعلى العدالة نفسها، لكننا، في النهاية، نتعامل مع ما يُحتسب داخل الملعب.
في الحياة أيضًا، ليست كل الحقائق تُنصف، ولا كل الأخطاء تُدان.
بعضها ينتظر إعلانًا، وبعضها يمر.. بلا إعلان.
ومضة:
الصفّارة ليست نهاية الحدث، بل لحظة الاعتراف به.













