آخر تحديث: 23 / 6 / 2026م - 10:38 م

المسافة بين صفوى وكربلاء

أنيس آل دهيم *

في كل عام، ومع إشراقة اليوم العاشر من شهر محرم الحرام، أحمل كاميرتي متوجهاً إلى ساحة التمثيل الحسيني لواقعة الطف بمدينة صفوى. هناك، حيث تُستحضر فصول كربلاء بقدر الإمكان وبأبسط الوسائل الدرامية، لا أذهب كمصور فحسب، بل كإنسان يحمل في قلبه شيئاً من الحزن والحنين إلى تلك الواقعة الخالدة التي مضى عليها أكثر من ألف وأربعمائة عام، لكنها ما زالت تنبض في الوجدان وكأنها حدثت بالأمس.

وفي ذلك اليوم، وقعت عيناي على مشهدٍ شدّني من بين عشرات المشاهد. رأيت رجلاً بلباسٍ أخضر يجلس عند ضفة الماء، وقد غمرت المياه ركبتيه، وإلى جواره راية خضراء تتمايل بهدوء، فيما تنتصب أشجار النخيل في الخلفية كأنها شهود صامتون على أعظم دروس الوفاء في التاريخ.

رفعت الكاميرا إلى عيني، لكنني لم أكن أرى ممثلاً يؤدي دوراً في مشهد تمثيلي، بل كنت أرى أبا الفضل العباس بن علي وهو يقف عند مشرعة الفرات بعد أن شق صفوف الأعداء بسيفه وشجاعته حتى بلغ الماء. لقد جاء من أجل مهمة واحدة، أن يحمل الماء إلى الأطفال والهاشميات في مخيم الإمام الحسين ، بعد أن أضناهم العطش وأحرقت الظمأ شفاههم الصغيرة.

التقطت هذه الصورة في ساحة التمثيل الحسيني بصفوى، وهي تجسيد رمزي لذلك الموقف البطولي الخالد. وعندما تأملت المشهد، تخيلت العباس وقد وصل إلى الماء بعد أيامٍ من العطش. يتحسس بيده برودة الماء وعذوبته، وقد بلغ منه الظمأ مبلغاً عظيماً، حتى إن كل قطرة منه كانت تدعوه إلى الارتواء. لكنه في تلك اللحظة لم يرَ نفسه أولى بالماء من أخيه الإمام الحسين ، ولا من النساء والأطفال الذين كانوا ينتظرون عودته بقلوبٍ يملؤها الرجاء.

كانت لحظة انتصر فيها الضمير على الغريزة، وانتصر فيها الإيثار على الحاجة. لم يشرب العباس، لأنه كان يرى بعين قلبه شفاه الحسين اليابسة، ويسمع أنين الأطفال وصيحاتهم طلباً للماء، ويشعر بلوعة السيدة زينب والهاشميات في الخيام. فآثر غيره على نفسه، وارتقى في إنسانيته حتى أصبح رمزاً خالداً للوفاء والتضحية.

في تلك اللحظة أدركت أن التصوير ليس مجرد توثيق، بل محاولة للإمساك بشيء من الوجع الإنساني الذي عبر القرون ولم يبرح القلوب. فالكاميرا بالنسبة لي لم تكن سوى شاهد صغير أمام حدث عظيم، وعدستي كانت نافذة أطل منها على التاريخ، حتى شعرت أن المسافة بين صفوى وكربلاء قد تلاشت، وأن الزمن انطوى على نفسه، فلم تعد بيني وبين واقعة الطف سوى ضغطة زر.

إن هذه الصورة ليست مجرد توثيق لمشهد تمثيلي، بل هي توثيق لقيمة إنسانية عظيمة. فالماء الذي ينعكس على سطحه ضوء الشمس ليس مجرد عنصر بصري في الصورة، بل رمزٌ للحياة التي كانت على مرمى يد العباس، ومع ذلك آثر أن يحملها إلى الآخرين. والراية الخضراء ليست قطعة قماش فحسب، بل هي راية الوفاء الذي حمله أبو الفضل العباس حتى آخر لحظات حياته.


الصورة من تصوير أنيس آل دهيم