آخر تحديث: 23 / 6 / 2026م - 10:38 م

عاشوراء… كيف يضبط الوعي هوس تتبع عيوب الآخرين؟

محمد يوسف آل مال الله *

في الوقت الذي يدعو فيه الدين والأخلاق إلى ستر العيوب وإصلاح النفوس، نجد بعض الأشخاص ينشغلون بتتبع زلّات الآخرين وأخطائهم، وكأنّهم قد بلغوا درجة الكمال التي تعفيهم من المراجعة والمحاسبة. قد لا يقف الأمر عند حدود الملاحظة أو النقد البنّاء، بل يتعداه أحيانًا إلى التشهير والطعن في السمعة واستثمار أخطاء الآخرين للنيل منهم، مع علمهم بأنّ هذا السلوك يدخل في دائرة الغيبة المحرّمة التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها أشد النهي.

إنّ الوعي الحقيقي يبدأ من إدراك الإنسان لحقيقة نفسه؛ فهو ليس معصومًا من الخطأ، ولا منزّهًا عن الزلل. وكلّما ازداد الإنسان وعيًا بنفسه، ازداد انشغالًا بإصلاحها بدلًا من الانشغال بعيوب الناس. ولذلك جاء التوجيه القرآني واضحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات: 12]. فقد جمعت الآية بين النهي عن سوء الظن والتجسس والغيبة، لأنّ هذه السلوكيات تنبع من أصل واحد هو غياب الوعي الأخلاقي والروحي.

فالإنسان الواعي يدرك أنّ تتبع العثرات لا يرفع قدره، بل يكشف ضعفًا داخليًا يدفعه إلى البحث عن أخطاء الآخرين ليشعر بتفوّق زائف. أمّا صاحب البصيرة فإنّه ينشغل ببناء ذاته، ويعلم أنّ المجتمع لا ينهض بفضح الناس وإنّما بإعانتهم على الإصلاح.

لقد أكّدت روايات أهل البيت هذا المعنى بوضوح. فقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي قوله: ”طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ“. فكلّما ازداد الإنسان وعيًا بعيوبه ونقاط ضعفه، قلّ انشغاله بأخطاء الآخرين. وروي عن الإمام الصادق : ”أقربُ ما يكون العبدُ إلى الكفر أن يواخي الرجلَ الرجلَ على الدين فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنفه بها يومًا ما“، وهي رواية تكشف خطورة تحويل العلاقات الإنسانية إلى ساحات للرصد والتتبع بدلًا من التناصح والتراحم.

كما انًّ من مظاهر الوعي أيضًا أن يفرّق الإنسان بين النصيحة والفضيحة؛ فالنصيحة تكون سرًا وبنيّة الإصلاح، أمّا التشهير فيكون علنًا وبنيّة الإيذاء أو الانتقاص. لذلك ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي : ”مَن وَعَظَ أخاه سرًّا فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه“.

ومن أروع الدروس التي تقدمها واقعة الطف في هذا المجال أنّ الإمام الحسين لم يكن ينظر إلى الناس من خلال أخطائهم الماضية، بل من خلال قدرتهم على التوبة والرجوع إلى الحق. ويتجلّى ذلك بوضوح في قصة الحر بن يزيد الرياحي الذي خرج أول الأمر في صف جيش الكوفة لاعتراض الإمام الحسين ، ثم استيقظ ضميره عندما أدرك حقيقة الموقف، فاختار التوبة والالتحاق بمعسكر الحق حتى استشهد بين يدي الإمام الحسين .

ولو أنّ الإمام الحسين أو أصحابه تعاملوا مع الحر بمنطق تتبع الزّلات والحكم على الناس من ماضيهم لما قبلوا توبته، لكنّهم جسّدوا مبدأ الوعي الذي يفتح باب الإصلاح ولا يغلقه. ولهذا خاطبه الإمام الحسين بقوله المشهور: ”أنت الحر كما سمتك أمك، وأنت الحر في الدنيا والآخرة“. إنّها رسالة خالدة تؤكد أنّ الإنسان لا يُختزل في خطأ ارتكبه، وأنّ الوعي الحقيقي يمنح الفرصة للعودة إلى الطريق الصحيح.

وفي المقابل، تكشف واقعة الطف أنّ الانشغال بتبرير الذات وإدانة الآخرين قد يقود الإنسان إلى الوقوف في صف الباطل وهو يظن نفسه محقًا. فقد كان كثير من أفراد جيش عمر بن سعد يعرفون منزلة الإمام الحسين ، لكنّهم انشغلوا بالبحث عن المبررات والأعذار بدلًا من محاسبة أنفسهم ومراجعة مواقفهم. وهنا تتجلى قيمة الوعي الذي يجعل الإنسان يبدأ بإصلاح ذاته قبل إصدار الأحكام على غيره.

ومن هذا المنطلق، فإن إحياء ذكرى عاشوراء لا ينبغي أن يكون مناسبة لتعداد أخطاء الآخرين أو تصنيف الناس، بل فرصة لمراجعة النفس والسؤال: هل أنا ممن ينشغل بعيوبه فيسعى إلى إصلاحها، أم ممن يراقب عيوب الآخرين ويغفل عن عيوبه؟ فالإمام الحسين خرج ليوقظ الضمائر ويعيد للإنسان وعيه الأخلاقي، ومن أهم مظاهر هذا الوعي أن يكون الإنسان رحيمًا بالناس، ساترًا لعيوبهم، ناصحًا لهم، منشغلًا بإصلاح نفسه قبل كل شيء.

إنّ المجتمع الواعي ليس مجتمعًا يخلو من الأخطاء، بل مجتمع يتعامل مع الأخطاء بروح الإصلاح، لا بروح الانتقام. وعندما يدرك الإنسان أنّ الله سبحانه وتعالى هو الأعلم بعباده والأقدر على محاسبتهم، فإنّه يتخلى عن دور ”القاضي الدائم“ للناس، ويتجه إلى تزكية نفسه وتقويم سلوكه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه الوعي على كل إنسان: كم من الوقت الذي أمضيته في تتبع أخطاء الآخرين كان يمكن أن يغيّر حياتك لو استثمرته في إصلاح نفسك؟ إنّ الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تكون بداية التحوّل الحقيقي نحو شخصية أكثر نضجًا ورحمةً واتزانًا.