آخر تحديث: 23 / 6 / 2026م - 10:38 م

العباس... حين تجسّد الوفاء إنسانًا

رضي منصور العسيف *

إذا ذُكر أبو الفضل العباس ، تبادر إلى الأذهان فارسٌ باسلٌ يهزّ ساحات القتال، لكن العباس لم يكن فارس المعركة فحسب، بل كان فارس الأخلاق، وسيد الوفاء، وترجمان الإيثار، والصورة الأجمل للأخوة الصادقة.

لقد كان حامل لواء الإمام الحسين ، والقائد الأعلى في جيشه، والركن الذي يستند إليه في أشد اللحظات حرجًا. ولهذا خاطبه الحسين بقوله: «أنت صاحب لوائي، وإذا مضيت تفرّق عسكري». ولم تكن هذه الكلمات مجرد وصفٍ لموقعٍ عسكري، بل كانت شهادةً بمكانة رجلٍ كان وحده يعدل جيشًا بأكمله، وهيبةً كانت تملأ قلوب الأعداء قبل أن تصل إليهم ضربات سيفه.

غير أن عظمة العباس لم تكن في قوته الجسدية فحسب، بل في شخصيته الإيمانية والروحية. فقد كان نافذ البصيرة، صلب الإيمان، زُقَّ العلم زقًّا، وتربّى في مدرسة أمير المؤمنين ، ونهل من معين الحسن والحسين عليهما السلام. وكان عابدًا خاشعًا، وساجدًا لله تعالى، ومطيعًا لإمامه طاعة العارف بحقه، حتى أصبحت حياته كلها ترجمة عملية لمعنى الولاء والإخلاص.

وقد لخّص الإمام الصادق هذه الشخصية الفريدة بقوله: «كان عمّنا العباس نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين ، وأبلى بلاءً حسنًا، ومضى شهيدًا». [عمدة الطالب: ص 356].

وفي يوم عاشوراء تجلت أسمى معاني شخصيته. فقد لبس الإيثار درعًا، وتسربل بالشجاعة، وجعل من الوفاء منهجًا لا يحيد عنه. كان بإمكانه أن يشرب من ماء الفرات بعد أن وصل إليه، لكن قلبه كان مع الأطفال العطاشى في الخيام، فاستصغر نفسه أمام عطشهم، وآثرهم على نفسه وهو في أشد الحاجة إلى الماء.

وحين كانت عيون الأطفال والنساء تتجه نحو المشرعة، كانت آمالهم معلقة بذلك الفارس الذي يحمل إليهم الحياة في قربة ماء. كانوا يرون فيه الأمان بعد الخوف، والرجاء بعد اليأس، والنور وسط ظلام المحنة.

لقد كان العباس مثال الوفاء الذي لا يُقاس بوفاء، حتى ليُقال: لو قُسِّم الوفاء على أهل الأرض جميعًا لكفاهم وفاء العباس. اختار العزة على الذلة، والكرامة على الخضوع، والجنة على الدنيا، وكتب بمواقفه الخالدة ما تعجز الكلمات عن وصفه.

ولهذا استحق تلك المنزلة العظيمة التي أشار إليها الإمام السجاد بقوله: «إنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلةً يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة». [الخصال، ص 68، ح 101].

ولم يكن هذا المقام الرفيع إلا ثمرة بصيرته وإخلاصه وثباته على الحق، حتى جاء في ختام زيارته المباركة:

«أشهد أنك لم تهن ولم تنكل، وأنك مضيت على بصيرةٍ من أمرك، مقتديًا بالصالحين، ومتبعًا للنبيين، فجمع الله بيننا وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين، فإنه أرحم الراحمين».

لكن اللحظة التي اهتز لها الوجود كانت حين سقط العباس على أرض كربلاء، وارتفع صوت الحسين مكسورًا حزينًا: «الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي».

عندها ضجّت الخيام بالبكاء، وتعالت أصوات الأطفال: «وا عباساه»، وارتفعت أنات النساء المفجوعات بفقد قمر بني هاشم.

لقد ارتوى العباس حقًا، لكنه لم يرتوِ من ماء الفرات، بل ارتوى من كأس الفداء والتضحية، وارتقى شهيدًا إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وبقي بدرًا مضيئًا في سماء كربلاء، تستلهم منه الأجيال معاني الوفاء والإيثار والثبات على الحق.

سلامٌ على أبي الفضل العباس يوم وُلد، ويوم جاهد مع الحسين، ويوم استُشهد عطشانًا، ويوم يُبعث حيًّا.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف