آخر تحديث: 21 / 6 / 2026م - 4:43 م

الحلقة الأضعف

باسم آل خزعل

في كل مجلس إدارة، ولجنة عمل، وفريق يتشارك صناعة القرار، وأخص بذلك الجمعيات الأهلية والمؤسسات الأهلية غير الربحية، تتجه الأنظار عادة إلى أصحاب النفوذ والخبرة والمناصب المؤثرة. تتسابق الآراء القوية لتفرض حضورها، وتحسم القرارات بالأغلبية باعتبارها التعبير الأوضح عن إرادة الجماعة. لكن ما يغيب عن كثير من المجالس الإدارية أن القرار لا يقاس بعدد الأيدي المرفوعة تأييدًا له، بل بقدرته على تحقيق الهدف الذي اتخذ من أجله.

وسط هذا المشهد يقف شخص واحد، أو ربما أقلية محدودة، يحملون رأيًا مخالفًا لما اتفقت عليه الأغلبية. ذلك الصوت غالبًا ما يُنظر إليه باعتباره الحلقة الأضعف، ليس لضعف منطقه، بل لأن كفة التصويت لا تميل لصالحه. ومع مرور الوقت يتحول رأيه إلى مجرد ملاحظة تسجل في محضر الاجتماع ثم تُطوى صفحاتها مع انتهاء ذلك الاجتماع.

المفارقة أن التاريخ الإداري مليء بالقرارات التي اتفقت عليها الأغلبية ثم أثبتت الأيام قصورها، بينما كان الرأي المعارض هو الأقرب إلى الصواب. فالحقيقة لا تصنع بالتصويت، والخطأ لا يتحول إلى صواب لمجرد أن عددًا أكبر من الأشخاص وافق عليه.

تكمن خطورة تجاهل الحلقة الأضعف في أن المجالس قد تعقد ثم تقع، دون أن تشعر، في فخ التوافق الوهمي، حيث يفضل الأعضاء الانسجام مع التيار السائد على حساب طرح الأسئلة الصعبة أو إبداء الاعتراضات الضرورية. وعندما تتشكل داخل أي مجلس تكتلات أو مصالح مشتركة، وهو أمر واقع بلا مجاملة، يصبح الرأي المخالف أكثر عزلة، حتى وإن كان يحمل رؤية أعمق أو قراءة أدق للمخاطر المحتملة.

إن وجود صوت مختلف داخل مجلس الإدارة ليس مصدر إزعاج، بل عنصر حماية. فهو يجبر الجميع على إعادة فحص الافتراضات، واختبار البدائل، والتأكد من أن القرار لم يُبنَ على الحماس أو المجاملة أو المصالح الضيقة. وفي كثير من الأحيان يكون ذلك العضو المعارض هو الشخص الوحيد الذي يرى ما غاب عن الآخرين.

المجالس الإدارية الناجحة لا تبحث عن الإجماع بقدر ما تبحث عن الحقيقة والقرارات الصحيحة. وهي لا تقيس قيمة العضو بمدى توافقه مع الآخرين، بل بما يضيفه من رؤية وتحليل وقدرة على كشف مواطن الخلل قبل وقوعها. لذلك فإن منح المساحة الكافية لرأي الأقلية ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة استراتيجية تحمي المؤسسة من القرارات المتسرعة والأخطاء المكلفة.

وعندما يشعر صاحب الرأي المخالف أن صوته مسموع ومحترم، فإنه يتحول إلى شريك في النجاح. أما عندما يُهمَّش ويُستبعَد وتُنتقص قيمة رأيه، فإن المؤسسة تخسر إحدى أهم أدواتها في المراجعة والتصحيح. وحين تكتشف لاحقًا أن ذلك الصوت كان محقًا، يكون الوقت قد فات، وتكون الخسائر قد وقعت بالفعل.

الحلقة الأضعف في أي مجلس ليست الشخص الأقل تأثيرًا أو الأقل شعبية، بل هي الحلقة التي يظن الجميع أنها غير مهمة. وفي الواقع، قد تكون تلك الحلقة بالذات هي الضمانة الحقيقية لسلامة القرار ونجاح المشروع واستدامة المؤسسة. فالقوة الحقيقية للمجالس لا تكمن في اتفاق جميع أعضائها، بل في قدرتها على الاستماع لمن يختلف عنهم.