آخر تحديث: 20 / 6 / 2026م - 3:58 م

عاشوراء… من الكوفة إلى جامعات العالم

محمد يوسف آل مال الله *

حين يغادر الشاب وطنه متجهًا إلى إحدى الجامعات الأوروبية أو الأمريكية أو الأفريقية أو الآسيوية، فإنّه لا يحمل في حقيبته أوراق القبول والوثائق الرسمية فحسب، بل يحمل معه أيضًا دينه وقيمه وثقافته وهويته الاجتماعية. فهو في حقيقة الأمر سفير لمجتمعه قبل أن يكون طالبًا للعلم، وصورةٌ تعكس ما يؤمن به أمام شعوب وثقافات مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية الوعي في رسم مسار المبتعث وحمايته من الذوبان الفكري أو الانحراف القيمي، ليحقق التوازن بين الانفتاح على العالم والمحافظة على ثوابته.

ولعل من أروع النماذج التي تقدمها واقعة الطف في هذا المجال شخصية مسلم بن عقيل ، أول سفراء النهضة الحسينية وأحد أبرز رموز الوعي الرسالي في التاريخ الإسلامي. فقد أرسله الإمام الحسين إلى الكوفة في مهمة شديدة الحساسية، وسط بيئة مضطربة ومتقلبة، ليكون ممثلًا للإمام ولسياسته ومشروعه الإصلاحي.

لقد كشف اختيار الإمام الحسين لمسلم بن عقيل عن معايير السفارة الحقيقية، إذ كتب إلى أهل الكوفة: ”وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل“. فالثقة هنا لم تكن قائمة على القرابة وحدها، بل على ما امتلكه مسلم من بصيرة ووعي وثبات وأمانة. وهذه الصفات نفسها هي ما يحتاجه المبتعث اليوم ليكون سفيرًا ناجحًا لدينه ووطنه.

إنّ أول ما يمنحه الوعي للمبتعث هو وضوح الهوية. فالقرآن الكريم يؤكد أنّ المؤمن ينبغي أن يكون ثابتًا على مبادئه مهما تغيرت البيئات من حوله، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: 112]. فالاستقامة ليست انعزالًا عن الآخرين، بل قدرة على التفاعل مع مختلف الثقافات دون التفريط بالثوابت. ولذلك فإنّ الطالب الواعي لا يخشى الاختلاف الثقافي، لأنّه يعرف مَنْ هو، وماذا يريد، وإلى أي قيم ينتمي.

كما يعلّمنا القرآن الكريم أنّ الرسالة لا تُحمل بالصدام أو التعالي، وإنّما بالحكمة وحسن الخلق، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: 125]. ومن هنا فإنّ المبتعث لا يمثل الإسلام من خلال النقاشات الفكرية فقط، بل من خلال صدقه وأمانته واحترامه للأنظمة والتزامه الأخلاقي وتعامله الإنساني مع الآخرين.

كما أنّ من الدروس المهمة التي نستفيدها من سفارة مسلم بن عقيل أنّ الغربة لا ينبغي أن تتحول إلى اغتراب. فهناك فرق بين أن يعيش الإنسان بعيدًا عن وطنه، وبين أن يفقد انتماءه وقيمه. لقد واجه مسلم ظروفًا قاسية وتغيّرات اجتماعية حادة، لكنّه بقي ثابتًا على مبادئه حتى اللحظات الأخيرة من حياته. وهذه الرسالة يحتاجها كل مبتعث يتعرّض لضغوط فكرية أو اجتماعية أو أخلاقية في بيئات تختلف عن بيئته الأصلية.

كما أنّ الوعي يدفع الطالب إلى اختيار الصحبة الصالحة التي تعينه على الثبات والنمو. وقد ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي : ”المرء على دين خليله“. فالأصدقاء ليسوا مجرد رفقة عابرة، بل قوة مؤثرة في تشكيل الأفكار والعادات والسلوكيات. وكلّما كان الطالب أكثر وعيًا في اختيار محيطه الاجتماعي، كان أقدر على المحافظة على شخصيته وقيمه.

فمن وصايا أهل البيت التي ينبغي أن يضعها المبتعث نصب عينيه قول الإمام الصادق : ”كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا“. إنّها دعوة لأن يكون الإنسان مرآة مشرقة لمبادئه، بحيث يرى الآخرون في أخلاقه صورة الإسلام وقيم أهل البيت قبل أن يسمعوها منه.

إنّ العالم اليوم لا يحتاج إلى شباب يحملون الشهادات فحسب، بل يحتاج إلى شباب يجمعون بين العلم والهوية، وبين التخصص الأكاديمي والوعي الرسالي. فكم من طالب عاد إلى وطنه يحمل شهادة مرموقة لكنّه فقد كثيرًا من قيمه، وكم من آخر عاد بعلم نافع وشخصية أكثر نضجًا ووعيًا وانتماءً.

من هنا فإنّ أعظم ما يمكن أن يتعلّمه المبتعث من سفارة مسلم بن عقيل هو أن يكون صاحب رسالة لا مجرد طالب شهادة، وأن يدرك أنّ نجاحه الحقيقي لا يقاس بما يحققه داخل قاعات الدراسة فقط، بل بما يحافظ عليه من مبادئ وقيم وهو يعبر طريق العلم في بلاد الغربة. فكما كان مسلم بن عقيل سفيرًا للإمام الحسين في الكوفة، فإنّ كل مبتعث واعٍ يمكن أن يكون سفيرًا لدينه ومجتمعه في أي مكان من هذا العالم.