آخر تحديث: 20 / 6 / 2026م - 3:58 م

عالم يشيخ

أمير بوخمسين

عندما يطرح سؤال عن أسباب سقوط الدول أو ضعفها، تتجه الأذهان عادة إلى الحروب والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية. غير أن الدراسات الديموغرافية الحديثة تشير إلى أن أخطر تهديد قد تواجهه أي دولة هو الخلل في تركيبتها السكانية، لأنه يؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد والأمن والثقافة والاستقرار الاجتماعي.

إن السكان هم رأس مال الدولة الحقيقي. فكل مؤسسة اقتصادية أو عسكرية أو تعليمية تعتمد في النهاية على العنصر البشري. لذلك فإن تراجع عدد السكان، أو انخفاض معدل المواليد لفترات طويلة، يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات الاستراتيجية التي قد تستمر لعقود.

فعندما يقل عدد المواليد ويزداد متوسط العمر، ترتفع نسبة كبار السن مقارنة بالشباب، مما يؤدي إلى انخفاض حجم القوى العاملة وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية وأنظمة التقاعد. ومع مرور الوقت يصبح عدد المنتجين أقل من عدد المستهلكين، فتتباطأ معدلات النمو الاقتصادي وتزداد الضغوط على المالية العامة.

فالاقتصاد يحتاج إلى تدفق مستمر من الشباب لدعم الإنتاج والابتكار وريادة الأعمال. وعندما تتراجع هذه الفئة، تضطر الدول إلى استقدام عمالة من الخارج لسد النقص في مختلف القطاعات. إن آثار انخفاض التعداد السكاني في بلادنا، وتراجع نمو السكان خلال السنوات القادمة، قد تؤدي إلى تغير هيكل الأعمار، وزيادة نسبة كبار السن نسبيًا لاحقًا، مع ارتفاع الطلب على الرعاية الصحية والتقاعد، مما يشكل تحديًا لسوق العمل، وذلك نظرًا لانخفاض المعروض من الشباب في المستقبل إذا لم يُعوض ذلك بزيادة مشاركة المرأة في العمل أو رفع الإنتاجية أو جلب مهارات من الخارج. وبالتالي يشكل ذلك ضغطًا على بعض الخدمات العامة، مثل تخفيض بعض المدارس لاحقًا «عكس الوضع الحالي غالبًا حيث يوجد طلب على التعليم». وتباطؤ نمو الاستهلاك والاستثمار، حيث يتأثر حجم السوق والطلب على منتجات وخدمات قد تنمو بشكل أبطأ. إضافة إلى الآثار الاجتماعية التي تؤدي إلى زيادة العبء على مقدمي الرعاية داخل الأسرة. وتتحول الأولويات من التوسع في البنية التعليمية/الطفولية إلى الصحة والرعاية لكبار السن.

وهنا تظهر القضية أكثر تعقيدًا، وهي الاعتماد طويل الأمد على الهجرة. فمن الناحية الاقتصادية قد تسهم الهجرة في معالجة نقص العمالة، لكن إذا أصبح الإحلال السكاني واسع النطاق دون سياسات فعالة للاندماج والحفاظ على الهوية الوطنية، فقد تنشأ تحديات تتعلق باللغة والعادات والقيم والتماسك الاجتماعي. ولذلك فإن نجاح هذا الخيار يعتمد على كيفية إدارة التنوع، لا على وجود التنوع في حد ذاته. وأوروبا، القارة العجوز، خير دليل.

ومع ذلك ينبغي التمييز بين قلة السكان وضعف الموارد البشرية. فليست كل دولة قليلة السكان دولة ضعيفة، كما أن كثرة السكان لا تعني بالضرورة القوة. إن العامل الحاسم هو وجود توازن بين الحجم السكاني وجودة الخدمات، والحفاظ على التوازن الديموغرافي، ودعم الأسرة، والاستثمار في التعليم والصحة، وإدارة الهجرة بسياسات مدروسة، كلها عناصر تدخل اليوم ضمن مفاهيم الأمن القومي والاستدامة الوطنية التي تُعتبر من القضايا الاستراتيجية لبلادنا.

وهنا بعض الحوافز لتشجيع المجتمع على الإنجاب في بلادنا، والتي تقلل التكلفة والضغط وتُسهّل التوفيق بين الحياة الأسرية والعمل، لأن تكلفة الأسرة لا تُقاس بالمال فقط بل بالوقت والخدمات. ويتم من خلال دعم مالي شهري مباشر ومنظم لكل طفل ضمن أعمار محددة، وإعفاءات مع تخفيضات في رسوم مرتبطة بالأطفال «تعليم ورعاية صحية ضمن نطاقات محددة»، ومن أجل ضمان الدعم يُربط بالتسجيل والتطعيم، والتحاق الأطفال بالتعليم الأساسي. إضافة لدعم العمل للأم والأب، بإعطاء إجازة أمومة مدفوعة، وإجازة أبوّة مدفوعة لتقاسم الحمل الأسري، مع حماية قانونية من التمييز الوظيفي بسبب الحمل أو الأطفال. وتخفيض تكلفة السنوات الأولى عبر تغطية طبية موسعة لمتابعة الحمل والولادة، ودعم حضانات ورعاية ما قبل المدرسة مع برامج حقيبة الطفل عند الولادة، وتمكين السكن والاستقرار، ودعم الزواج والاستقرار الأسري، مع توفير حوافز تعليمية وتوظيفية للأبناء مستقبلًا. إن معالجة أسباب تأخير الإنجاب مهم جدًا، فليس كل تأخير مرتبطًا بالمال، فقد يكون بسبب توتر نفسي، أو مشاكل صحية «عقم».

إن وتيرة النمو السكاني المتوقع لمناطق العالم المختلفة على مدى الجيل القادم هي وتيرة شديدة التباين، والمؤكد أن أكبر الزيادات السكانية ستحدث في إفريقيا جنوب الصحراء، تليها دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وفي الأعوام القادمة سيكون عدد سكان إفريقيا أكبر من عدد سكان جميع ”الدول الأكثر تقدمًا“ في عالم اليوم. حيث وصل النمو الطبيعي للسكان في الدول الأكثر تقدمًا إلى نقطة النهاية، وبدأت معدلات الوفيات في هذه الدول تفوق معدلات المواليد بشكل أو بآخر.

لذلك علينا أن ندرك أن الدول لا تنهار بسبب الحروب فقط والأزمات، لكنها قد تدخل مرحلة تراجع طويلة بسبب أزمة سكانية صامتة، تبدأ بانخفاض المواليد، ثم نقص القوى العاملة، ثم تباطؤ الاقتصاد، ثم تغير البنية الاجتماعية. لهذا أصبح علم السكان أحد أهم العلوم التي تعتمد عليها الدول في رسم سياساتها المستقبلية، لأن مستقبل الأوطان يبدأ من تركيبتها البشرية قبل أي شيء آخر.