قصة ال 300 مليار دولار في مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية: دونها خرط القتاد
تم توقيع المذكرة فما أهم بنودها؟
إنهاء فوري ودائم للأعمال القتالية على جميع الجبهات (بما في ذلك لبنان)، وعدم شن أي عمل عدائي أو تهديد بالقوة مستقبلًا، احترام السيادة والأراضي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، مفاوضات لاتفاق نهائي خلال 60 يومًا (قابلة للتمديد) تركز بشكل أساسي على الملف النووي والاقتصادي، رفع الحصار البحري الأمريكي فورًا، وإنهاؤه كليًا خلال 30 يومًا، مع استئناف الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب (بدون رسوم من إيران)، تعهد إيران بعدم إنتاج أو اقتناء أسلحة نووية، مع مناقشة اليورانيوم المخصب والإشراف الدولي في الاتفاق النهائي، خطة إعادة إعمار واقتصادية بقيمة 300 مليار دولار (بدعم أمريكي وإقليمي)، تخفيف/رفع العقوبات تدريجيًا، بما في ذلك إعفاءات نفطية فورية، إطلاق الأصول المجمدة، وتسهيل الصادرات النفطية خلال ال 60 يومًا.
الآن، ما قصة ال 300 مليار دولار؟ القصة كُتِب إطارُها العام دون تفاصيل، والعبرة دائماً بالتفاصيل التي ستكتب خلال الشهرين القادمين، فالاطار والآلية والشروط تقول: سيتم وضع التفاصيل والآلية التنفيذية خلال فترة المفاوضات ال 60 يومًا (قابلة للتمديد) التي تؤدي إلى الاتفاق النهائي، وهي مرتبطة بالأداء (performance-based) تعتمد على التزام إيران ببنود الاتفاق، خاصة الملف النووي، ووقف الأعمال العدائية، وفتح مضيق هرمز. وحسب التحاليل، فقد تشمل: إطلاق الأصول المجمدة، وإعفاءات نفطية فورية، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية.
الخلاصة الأولى هي أن خطة الصندوق غير مفصلة في مذكرة التفاهم الحالية وهي عبارة عن إطار عام ستعبأ تفاصيلهُ لاحقاً، و”لاحقاً“ هذه تتعلق بنجاح المفاوضات خلال الشهرين القادمين.
نعود لبند صندوق ال 300 مليار دولار وإمكانية حلحلة تفاصيه خلال 60 يوماً أو أكثر، فضمن مذكرة التفاهم الامريكية - الايرانية، هذا البند هو الأكثر غموضاً وبالتالي جدلاً وخضع لتجاذبات ضمن الفرقاء السياسيين المؤثرين في الولايات المتحدة ذاتها، والسبب في ذلك:
1- تصريحات نائب الرئيس فانس، التي ”جاب فيها العيد“ وحشر أطراف أخرى في الاستثمار في الصندوق، ثم تَنَقَلَ من قناة تلفزيونية إلى أخرى ساعياً لإعادة صياغة ما سبق ان قاله.
2- ان بنود المذكرة، وهي مذكرة تفاهم؛ تصنع اطاراً وليس اتفاقاً نهائياً، خالية من تفاصيل حول الصندوق، وعند الحديث عن المال فلا بد من الدخول في التفاصيل والتوصل إلى اتفاقات وتحديد المسؤوليات وفرض التزامات، فغياب ذلك يعني مخاطر عاية، وهذه كافية لإبعاد المستثمرين، فضلاً عن ضمانات الاستثمار وجاذبية البيئة الاستثمارية في البلد المستضيف.
3- ما صرح به الرسميون الأمريكيون بأن أمريكا لن تستثمر، فالرئيس ترامب قال: نحن لن نستثمر أي أموال ”، و“ لن نضع 10 سنتات" (we’re not putting up 10 cents).
إذن، يبدو أن الصندوق استثماري بحت، بمعنى ان من سيضع الاموال شركات استثمارية ساعية للربح، تضعها على مسؤوليتها وتتحمل تبعات ذلك، كل ما سيتغير هو عدم الممانعة الأمريكية، لكن حتى عدم الممانعة هذه ستخضع لممانعة وأخذ ورد في داخل أمريكا وفي خارجها كذلك. فضلاً عن أن المستثمرين لن يضخوا أموالاً، فذلك لن يحدث الا بناءً على فرص محددة ذات عائد يتماشى مع مستوى المخاطرة التي يتخذ كل مستثمر قراراً بشان تحملها وفقاً لتوجهاته الاستثمارية وقابليته لتحمل المخاطر.
لكن في حال استثمار الشركات الامريكية في إيران، فدون ذلك جبال من الموانع والمصدات، وهي القيود القانونية الأمريكية على استثمار الشركات الأمريكية في إيران، وتحديداً: 1. قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لعام 1977، الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لفرض عقوبات اقتصادية في حالات الطوارئ الوطنية، واللوائح الخاصة بإيران (ITSR - 31 CFR Part 560) التي تحظر على الأشخاص والشركات الأمريكية (بما في ذلك فروعها) القيام باستثمارات جديدة أو تقديم قروض أو مساهمات مالية في إيران أو مع كيانات تابعة للحكومة الإيرانية 2.. قانون عقوبات إيران (Iran Sanctions Act - ISA)
3. قانون CISADA, الذي يستهدف الاستثمارات في قطاع الطاقة (النفط والغاز)، ويفرض عقوبات ثانوية على الشركات التي تستثمر مبالغ كبيرة في هذا القطاع. ويشرف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في وزارة الخزانة اشرافاً صارماً على تنفيذ هذه القيود، ويصدر التراخيص والإعفاءات عند رفع أو تخفيف العقوبات.
لكن أمر العقوبات الامريكية للتعامل الاقتصادي مع إيران لا يقف عند الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين من حملة الجنسية الأمريكية فقط، بل ان العقوبات الثانوية الأمريكية (Secondary Sanctions) هي الآلية الرئيسية التي تستخدمها الولايات المتحدة لمنع الأجانب (دول، شركات، بنوك، وأفراد) من التعامل التجاري أو الاستثماري مع إيران، حيث تهدف هذه العقوبات إلى عزل إيران اقتصادياً من خلال تهديد الجهات الأجنبية بمنعها من الوصول إلى السوق والنظام المالي الأمريكي. وهي تضرب طوقاً مانعاً، فأبرز العوائق والعقوبات:
1- قطع الوصول إلى النظام المالي الأمريكي: أي بنك أو شركة أجنبية تقوم بمعاملات كبيرة مع إيران (خاصة النفط، الغاز، البتروكيماويات، أو البنوك الإيرانية) قد تُحرم من التعامل بالدولار الأمريكي أو الوصول إلى البنوك الأمريكية، مما يجعل معظم معاملاتها الدولية شبه مستحيلة.
2- إدراج في قوائم العقوبات التي يديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عبر إدراج الشركات والأفراد الذين يتعاملون مع إيران في قوائم خاصة، مما يؤدي إلى تجميد أصولهم في الولايات المتحدة وحظر التعامل معهم من قبل أي جهة أمريكية أو مرتبطة بها.
3- عقوبات على قطاع الطاقة: بموجب قانون Iran Sanctions Act (ISA)، الذي يَفرض عقوبات على أي استثمار أجنبي يتجاوز حدودًا معينة في قطاع النفط والغاز الإيراني (مثل 20 مليون دولار في بعض الحالات)، بما في ذلك الاستثمار، تطوير الحقول، أو شراء النفط الإيراني.
4- عقوبات على الشحن والتأمين: تستهدف شركات الشحن والتأمين التي تنقل النفط أو البضائع الإيرانية، مما يرفع تكاليف النقل ويصعب عمليات التصدير الإيرانية.
الخلاصة الثانية هي أنه عملياً، وفقاً لما هو قائم الآن، لا يمكن لأي شركة امريكية ان تستثمر في إيران ويصعب على أي شركة غير امريكية التعامل مع ايران تحت طائلة العقوبات الأمريكية، ولاسيما تلك الشركات والأفراد اللذين لديهم مصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية، فمن أين ستأتي ال 300 مليار دولار التي كثر الحديث عنها؟! تفكيك هذه ”الشرباكة“ سيأخذ توافقاً وقبولاً ليس فقط من الدوائر السياسية الأمريكية، التي ليست كلها بيد الرئيس، بل لابد من موافقة الكونجرس، وكذلك يتطلب إقبالاً من المستثمرين. صدق من قال أن ”الشيطان في التفاصيل“.













