عاشوراء… من دمعة حزن إلى صناعة موقف
مع إطلالة شهر المحرم الحرام، تتجه قلوب الملايين من شيعة ومحبي الإمام الحسين
نحو المجالس الحسينية، حيث تُستعاد فصول ملحمة كربلاء بكل ما تحمله من معانٍ إنسانية وإيمانية عظيمة. وفي خضم مشاعر الحزن والأسى التي تملأ النفوس، يبرز سؤال مهم:
ما أعظم درس ينبغي أن يخرج به الشيعي من إحياء عاشوراء؟
لعلّ أعظم ما تقدمه عاشوراء للإنسان هو درس الثبات على الحق بوعيٍ ومسؤولية. فالإمام الحسين
لم يكن مجرد قائد خاض معركة عسكرية، بل كان صاحب مشروع إصلاحي أراد أن يعيد للأمة وعيها وقيمها ومبادئها. ولهذا أعلن هدف نهضته بوضوح قائلاً: ”إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي“.
إنّ المتأمل في أحداث كربلاء يدرك أنّ القضية لم تكن صراعًا على السلطة أو النفوذ، وإنّما كانت معركة بين الحق والباطل، وبين الوعي والتضليل، وبين الكرامة والاستسلام. ومن هنا فإنّ إحياء عاشوراء لا ينبغي أن يقتصر على استذكار المصيبة والبكاء عليها فحسب، بل يجب أن يتحوّل إلى محطة سنوية لمراجعة الذات وتصحيح المسار.
إنّ الشيعي الذي يحضر المجلس الحسيني مدعو لأن يسأل نفسه:
ماذا تعلمت من الإمام الحسين
؟
هل انعكست هذه الدروس على سلوكي وأخلاقي وعلاقاتي مع الآخرين؟
فالإمام الحسين
الذي ضحّى بنفسه وأهل بيته
من أجل إحياء القيم، يريد من محبيه أن يكونوا دعاة للصدق والأمانة والعدل والإصلاح.
وقد أكد القرآن الكريم على أهمية الوقوف إلى جانب الحق مهما كانت الظروف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ…﴾ [النساء: 135]، فالانتماء الحقيقي لمدرسة الإمام الحسين
لا يظهر في الشعارات وحدها، وإنّما في المواقف العملية التي تجسّد مبادئه في الحياة اليومية.
كما أنّ عاشوراء تعلّم الإنسان أن يكون واعيًا في قراراته ومواقفه، فلا ينساق خلف الشائعات أو الأهواء أو الضغوط الاجتماعية. فالكثير ممن خذلوا الإمام الحسين
لم يكونوا يجهلون مكانته، لكنّهم افتقدوا الوعي والشجاعة اللذين يجعلان الإنسان ينحاز إلى الحق عند لحظات الاختبار.
ومن هنا فإنّ المجالس الحسينية الناجحة هي تلك التي تربّي الإنسان على تحمّل المسؤولية، وتدفعه إلى إصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه. فكل مجلس ينبغي أن يثمر تغييرًا إيجابيًا في حياة الحاضر، ولو كان ذلك بترك عادة سيئة، أو إصلاح علاقة متوترة، أو خدمة محتاج، أو نشر قيمة من قيم الخير.
إنّ عاشوراء ليست ذكرى تاريخية عابرة، بل مدرسة متجددة لصناعة الإنسان الواعي. وكلّما استطاع المؤمن أن يحوّل دموعه على الإمام الحسين
إلى سلوك عملي وموقف أخلاقي ومسؤولية اجتماعية، كان أقرب إلى فهم الرسالة الحقيقية التي استشهد الإمام الحسين
من أجلها. فالإمام الحسين
لم يرد من أمته أن تبكيه فقط، بل أرادها أن تحمل مبادئه وتسير على نهجه في مواجهة الظلم ونصرة الحق وبناء الإنسان.













